Thursday, May 11, 2006

من موقع الحدث: الصياد الأسود والفريسة البيضاء


هذه الصور تم التقاطها تقريباً ظهر اليوم الخميس من شارع رمسيس. تابعوا المراحل المختلفة، وديناميكية الحركة



ثم ابتسامة النهاية

Tuesday, April 04, 2006

من موقع الحدث: كسوف الشمس في السلوم - أو مصر-ليبيا رايح جاي



Solar Eclipse from Salum – Egypt

لا يوجد كلمات أو صور يمكنها أن تدعي مجرد محاولة نقل الدقائق الأربع غير العادية لرحلة الشمس وراء القمر، أو بالأحرى لرحلة القمر أمام الشمس... إنما يمكنني أن أحاول وصف رحلتنا نحن – إثنان من أهل المحروسة – لمشاهدة الحدث الأعظم

بدأنا من القاهرة يوم الثلاثاء 28 ظهراً، وعدنا إلى القاهرة في منتصف ليل الخميس، قاطعين 1500 كم بالسيارة في حوالي 60 ساعة معظمها من القيادة المتواصلة. وصلنا إلى مطروح نحو صلاة العشاء. لم أكن قد رأيت مطروح منذ ما يزيد عن 20 سنة، ولم أصدق ما رأيت...

فقد تركتها مجرد مجموعة من الشواطيء رائعة الجمال، ثم أرض ترابية صحراوية تعيش فيها الأبقار والجمال والماعز جنباً إلى جنب مع البدو، فوجدتها مدينة نظيفة جميلة التخطيط، شوارعها أسفلتية مليئة بإشارات المرور الأوتوماتيكية تخبرك كم من الثواني بقى حتى ينقلب لونها. ووجدت شوارعها مليئة بالسياح الأجانب من كل نوع، تحتفي بهم مجموعة من الراقصات الشعبيات ذات الوجه والقد الحسن، على أنغام موسيقى حسب الله الشهيرة. ووجدت المطاعم معظمها تحولت من أجل عيون الليلة إلى خمارات، ولم أصدق نفسي حينما وجدت رجال الأمن مبتسمين و– الأدهى – متعاونين.

كنت أكاد أظن أننا لسنا في المحروسة، لكنني عدت إلى طمأنينتي بسرعة حينما عرفت أن الحكومة اخترعت تذكرة ب100 جنيه لدخول السلوم، لرؤية حدث يمكن رؤيته بنفس الجمال من أي مكان على البحر قبل البوابة، وزالت دهشتي تماماً عندما أخبروني أنه – نظراً لدواعي أمنية – فإنه لن يُسمح بدخول أي سيارة إلى السلوم بعد السابعة صباحاً، رغم أن الحدث لا يبدأ إلا بعدها بأربع ساعات. لكن ما علينا، كنا سعداء ... وقلنا "ماشي".

وصلنا إلى السلوم في الواقع نحو الثامنة صباحاً، ولم يكن هناك مشكلة في الدخول، لكن كان علينا – لذات الدواعي الأمنية – ترك السيارة على مدخل السلوم، والتنقل بأتوبيس عام غرب الدلتا إلى داخل المدينة. ومرة أخرى تأكدت أننا مازلنا في مصر حينما ظهر في الأتوبيس "كمسري" أصر أن نقطع تذكرة بجنيه حق النقل، مع أننا دفعنا بالفعل مئة جنيه لنركن السيارة خارج المدينة !!! وكانت أجمل المفاجآت هي مقابلة مجموعة من الأصدقاء المدونين، لا نتقابل إلا نادراً في القاهرة، لكن ها نحن نتقابل في ليبيا – إلا قليلاً –. وهم بلا ترتيب اندهاش، أفريقانو، شموسة، ألف، مصطفى والست نعامة

كانت المواقع المُعدة لاستقبال الزائرين تنقسم إلى ما تحت الهضبة، وهو موقع لطيف أمام البحر – الغير مسموح بالاقتراب منه لسبب غير مفهوم – وما فوق الهضبة، حيث سيشرفنا سيادة رئيس الجمهورية، وهو تقريباً على الحدود مع ليبيا بالضبط، وهو موقع سيء للغاية، فلا هو يطل على البحر أو على أي منظر طبيعي على الإطلاق، والجو مشبع بالتراب والشبورة بما يمنع الرؤية الجيدة. وعليه، فقد قررنا أن نستفيد نحن أيضاً من فهلوتنا المصرية، وأقنعنا سائق الأتوبيس أن ينزلنا في موقع فريد وسط الهضبة، حيث نجلس بين الصخور، وتحتنا البحر، ويميننا المدينة، وفوقنا الجبل. وأدعي أنه أفضل موقع على الإطلاق استمتعنا به أنا ورفيقي وحفنة من الأجانب الذين جاءوا وراءنا مؤمنين بفهلوة المصري العجيبة. وكان وجودهم حماية عظيمة لنا، عندما حاول مجندو حرس الحدود طردنا – لأننا غالباً فرقة صاعقة من الأعداء – ادعينا عدم الفهم، ورسمنا البلاهة على وجوهنا حتى تركونا وهم يسبوننا "بالعربي" الذي لا نفهمه.

بدأ الكسوف في موعده تماماً – وهو من الأشياء القليلة التي تبدأ في موعدها – وبدأت الشمس تتآكل قطعة قطعة، فيتغير شكلها من تفاحة مقضومة، إلى قارب، إلى موزة... والضوء موجود لكنه يلمع، والجو أبرد قليلاً لكنه محتمل، والمد يتحرك خطوة خطوة نحو الشاطيء... ثم فجأة – أقول فجأة وبدون سابق إنذار رغم أننا كنا نعلم – أظلمت الدنيا... وحدث كل شيء بسرعة عجيبة... صار من الممكن النظر مباشرة إلى الشمس، لترى قرصاً أسوداًً يحيط به هالة بيضاء ناصعة لا تنير إلى مكانها، والدنيا ظلام من حولك، لكنها عند الأفق من كل ناحية يخطها مساحة حمراء منيرة بعض الشيء، والبرد أصبح واضح المعالم، والطيور التي لا أراها في العادة رأيتها تطير في الأغلب عائدة إلى أعشاشها مفزوعة، والناموس صوته من حولي شديد الوضوح، يختلط مع صوت مآذن الجوامع المكبرة المرتلة صلاة الكسوف، وصوت زغاريد نساء البدو اللاتي رأين في الحدث سبباً للفرح، ويُضاف على كل هذه الأصوات تكتكات كاميراتي الثلاث التي تُسابق الزمن لتسجيل الحدث.

دقائق أربع، مرت كثوانٍ ثلاث... ثم عاد كل شيء إلى سابق عهده، وبقت الذكرى لا تنمحي. وبقى انتظار مُمل ل21 سنة قادمة، حينما تأتيني أميرتي الصغيرة لتستأذني أن تُسافر مع أصحابها لرؤية الeclipse في وادي الملوك... ووقتها، ربما أوافق!!

Saturday, March 18, 2006

عندما يولد الحب في الظلام

كيف تفهمني ... أيها الغائب عن أسرار قلبي
كيف تراني؟؟

أتُراك تعتقدني أعيش في قالب من الصخر، بل أنا الصخر ذاته؟ فلا الموج الهائج يفتت عضدي ولا النسيم بقادر أن يهز سلامي...
أتظن أنني أتيت من عالم مثالي جاهل، لا يعشق فيه الإنسان خطيئته ولا يثور فيه القلب على مُقَدَرات الزمن
أصور لك خيالك الساذج، أن من ارتفع لا يسقط، ومن رضع الحكمة لا يمكن أن يأخذ بكيانه الجنون

أسألك أيها الأحمق... من تراني؟
إن لم أكن أنا الإله، ولم أكن أنا الحجر... أفلا يفترض هذا بالضرورة أن ما يحق لك، يحق لي
وتكون بالتالي كل أوهامك المثالية عني هي حجر ثقيل ربطته في عنقي يوم ألقيتني من مركب واقعك

ولئلا تشعر بالذنب، دعني أوضح أنني مسئول بالضرورة عن هذه الأوهام...
فأنا الذي غذيتها يوماً بعد يوم...
فهل ترى عيونك أخيراً كل الأقنعة التي لبستها واحداً فوق الآخر؟
وهل تمد يدك وتنزعها عني... فأتألم ثم أفرح ...
ثم أندم ثم أفرح ثم أموت ثم أولد من جديد

Friday, February 17, 2006

البحث عن الأنا الآخر

أنا غائب عن التدوين... هذا لا فصال فيه
لكن السؤال... هل أنا أعيش، أم أنني غائبٌ عن الحياة؟

أنا واقفٌ – وكأنني منذ الأزل وإلى الأبد - في مفترق حياتي، بين الماضي والحاضر والمستقبل...

في الماضي يوجد عشر سنوات من الغرق في عصارة الاكتشاف. عشر سنوات من العشق والفن والفلسفة والإيمان والكآبة التي اكتشفتها وصنعتني.

وفي الحاضر يوجد خمس سنوات من النجاح في كل شيء، والسعادة التي تستحق صلاة شكر يومية. خمس سنوات من عمل أستمتع به، وزوجة أحبها، وإبنة أبيع العالم كله من أجل ضحكتها.

وفي المستقبل يوجد سنوات لا أعرف عددها في حياة لا أعرف شكلها، لكنها رسالة تناديني مثل حوريات البحر الأسطوري. سنوات من البحث والدرجة العلمية والنحت في أحجار الوطن العتيقة من أجل كتابة تاريخ جديد.

وأنا بين طرقاتي الثلاث عاجزٌ عن الحركة، فاقدٌ للنطق... أرفض التنازل بأي شكل من الأشكال عن أي ملليمتر من حدود الماضي والحاضر والمستقبل، فأنا رسمت هذه الحدود بكل الليالي التي لم أنمها، وكل السنين التي اختصرتها بلا ندم من صحتي لأنني قررت أن حياةً على الهامش هي حياة لا تستحق أن تُعاش.

وأنا في الوقت نفسه أُدرك عن يقين أن مملكة رغباتي أوسع من حدود قدرتي، وأن معركتي خاسرة لا محالة، فلا السن يسمح، ولا العرف يسمح، ولا ساعات اليوم تسمح، ولا – بكل تأكيد – جرأة المخاطرة في قلبي تحتمل.

فما الحل إذن في هذه الدائرة المفرغة؟ سوف أستمر في مقاومة الاختيار الذي هو موت، حتى أموت............

Friday, January 06, 2006

عندما تذهب إلى الكنيسة


عندما تذهب اليوم إلى الكنيسة...
لتحتفل بميلاد المسيح
لا تنسى أن تشعل الشموع، وتضم يديك على قلبك وتصلي...
من أجل كل حجاج بيت الله الحرام، الراكبين البحر والجو والبر... نحو مكة والمدينة
من أجل كل السودانيين المرحلين في القطارات إلى بلادهم الفقيرة، وهؤلاء المختفين في الشقوق من عيون الشرطة
من أجل شارون الراقد في غيبوبته، بين عشرات لا يفكرون الآن إلا في مصالحهم من بعده
من أجل طفلة تركية ماتت اليوم بعدوى إنفلوانزا الطيور
من أجل أيمن الظواهري الهارب بين الجبال يخطط لقتل المزيد من الأمريكان، ليدفعهم لقتل المزيد من المسلمين
من أجل منتخب مصر لكرة القدم...
من أجل مصر... بجمالها، وقبحها، وضميرها، وفسادها، وحريتها وديكتاتوريتها وطيبة قلب وغباء معظم الساكنين فيها
عندما تذهب اليوم إلى الكنيسة...
لا تنسى أن تصلي من أجلي...
فأنت اليوم جندي، وهذا نشيدك: المجد لله في الأعالي... وعلى الأرض السلام... وبالناس المسرة

Monday, December 05, 2005

أسراري التي لا يُنطَق بها


حينما كنا صغارا ...اعتبرنا
خط الأفق ملعبنا
وكل الطرق معبرنا
كم حلمنا وتعاهدنا وطرنا
ومن بالغد يخبرنا؟
قتلنا الغد بالقبل...وبالأحلام والأمل
وصبرنا...فلم ندري كم كبرنا
وصبرنا...فتغيرنا وثرنا
على كل مآثرنا

(من قصيدة ألف ليلة وليلة – عشرون عاماً من الحب – لصاحب المدونة)
كل الحقوق محفوظة

اضغط على الصورة للذهاب إلى المصدر - إدوارد مونش 1907

Thursday, November 24, 2005

إشكاليات على طريق المصالحة الدينية

إذن، مرت تقريباً مرحلتان من ثلاثة في انتخابات البرلمان المصري. والنتائج أقل ما توصف به أنها غير مبشرة بالخير، من حيث حصول الحزب الحاكم على الأغلبية المطلقة، وانهيار المعارضة السياسية، وصعود البديل الأخطر متمثلاً في الإخوان المسلمين. لكن... وقبل أن يأخذنا الحوار عن تداعيات الانتخابات – وهو حوار أحب أن أؤجله إلى ما بعد نهاية المرحلة الثالثة – أحب أن نكمل حديثاً قد بدأناه (هنا وهنا) عقب أحداث محرم بك، عن المصالحة الدينية في مصر.

عندما نتصدى لحل مشكلة مثل "المصالحة الدينية" في مصر، نصطدم فوراً بمجموعة من الإشكاليات التي جعلت هذه القضية أكثر تعقيداً في مصر عنها في دول أخرى، وفي هذا الزمن عن أزمنة سابقة.

وأظن – اختصاراً – أنه ينبغي البدء بثلاثة إشكاليات حادة على درجة عالية من الخطورة: المرجعية الدينية، موروث القهر، والتخلف السياسي

المرجعية الدينية
خلال الثلاثين عاماً الأخيرة، ولأسباب سياسية (انهيار القومية العربية، انهيار الحلم الاشتراكي...)، واجتماعية/اقتصادية (الانفتاح الاقتصادي، أموال الخليج العربي...) وأخرى، تحولت المرجعية الأساسية عند جموع الشعب المصري إلى مرجعية دينية (باستبعاد المرجعية المادية الأقوى تأثيراً بالطبع، والتي لا فِكر لها ولا هدف أبعد من مجرد اشباع الذات). فصار انتماء المواطن الوحيد - بعد الرزق - هو دينه وأحكام دينه. وصار من الطبيعي اليوم أن نعمم هذا الوصف على جموع المصريين، بغض النظر عن الديانة والطبقة الاجتماعية، فما بدأ عند الطبقة الوسطى-المنخفضة المسلمة، ما لبث أن امتد وأثار ردود فعل حتى وصل إلى الطبقة المرتفعة المسيحية، وكل ما بينهما من طبقات عن أصحاب المِلَتين.

وامتد هذا التيار حتى اقتحم كل مكان كان في الماضي مُحرماً عليه دخوله – لأسباب ترتبط بطبيعة هذه الأماكن -، فصارت المرجعية الدينية هي بشكل أو آخر النمط السائد عند قادة الجيش والساسة والصحفيين والفنانين والرياضيين وغيرهم.

وحتى لا ندخل في جدل لا خروج منه، تعالوا نتجاوز السؤال التقليدي عما إذا كانت هذه الموجة المزعومة من "التدين" هي شيء إيجابي أو سلبي، ودعونا نتفق على حقيقة أكثر بساطة بكثير، وهي أن تسلط المرجعية الدينية إلى هذا الحد يُمثل صعوبة واضحة في طريق "التعايش الديني". فنحن إذاً في موقف أصعب كثيراً من بلاد تعيش أغلب شعوبها على مرجعيات فكرية وفلسفية مختلفة، وذلك لأسباب ثلاثة: الأول هو سهولة طرح الحوار الديني في هذه المجتمعات، طالما يتعامل الناس أصلاً مع الدين باعتباره جزء من مرجعيتهم وليس كلها. السبب الثاني الذي يجعل حالتهم أسهل هو أن التعدد يخلق نوع من الحيرة التي تزيد اجبارياً مساحة القبول، وهي مساحة تقل جداً إن كان الأغلبية الساحقة من الشعب ينتمون إلى طائفتين فقط هم المسلمين السنة والأقباط الأرثوذكس.

أما السبب الثالث فهو مرتبط بطبيعة المرجعية الدينية نفسها، والتي تختلف جذرياً عن المرجعية الفكرية أو الفلسفية. فالدين بطبيعته لا يحتمل الكثير من التسامح مع وجود الآخر، وهذه حقيقة لا يسعنا إنكارها مهما كررنا من آيات وتفسيرات القبول والتعايش السلمي، فهذه كلها تقع على هامش الاعتقاد، بعكس كل مفردات التفرد و"الصواب المطلق" والنرجسية المقدسة، والتي تسكن قلب كل دين منذ نشأته الأولى.

وهذه المفردات لا يمكننا رفضها أو مقاومتها، إنها ملتصقة بطبيعة الدين مثلما ترتبط بالأم مشاعر تفضيل أبناءها على كل أطفال العالم، ونحن مع ذلك لا نتهم الأمهات بالأنانية أو عدم العدل. فلا يوجد – بحسب معلوماتي – دين واحد لا يقوم على فكرة أن "الإله" يطلب من عباده إتباع هذا الدين دون غيره.

النتيجة إذن باختصار، أننا أصبحنا نعيش في مجتمع من قطبين يميل كلاهما نحو المزيد من الالتصاق بدينه، وتغليب هذا الالتصاق على كل أشكال التفاعل الأخرى مع الحياة، مما يُعقد نسبياً من محاولة خلق حياة مشتركة بين الطرفين. وعندما نقول حياة مشتركة نعني بها حياة حقيقية مليئة بالحب والأحلام وتبادل الخبرات والتعاضد... الارتواء من الآخر، ومشاركته في جزء من أرواحنا وغنى حياتنا... عندما نقول حياة مشتركة... فإننا نعني في الواقع "حياة واحدة".

هل نقترح عليكم أن تقللوا من تدينكم لتتمكنوا من اختبار هذه الحياة الواحدة؟؟ ليس لنا قِبل باقتراح كهذا على أية حال. لكنني أتصور أن المشكلة ليست في التدين في حد ذاته، بل في كونه يمثل القيمة الوحيدة "المحترمة" في حياة معظم المصريين، بجانب السعي المحموم للقمة العيش، والاستهلاك التافه لتسالي العصر الحديث. فإذا ظل الدين هو المجال الوحيد الذي نحترم فيه إنسانيتنا، فستظل "حياتنا الواحدة" هي مجرد خطاب إعلامي لا حقيقة فيه.

هذه إشكالية واحدة... وتبقَّى إثنتان: موروث القهر، والتخلف السياسي... ولهذا الحديث بقية.

Saturday, October 29, 2005

شهادتي عما يسمونه مسرحية محرم بك

أخيراً شاهدت المسرحية المزعومة
وبرغم كل قناعتي السابقة بأن المسرحية ليست هي الموضوع مطلقاً
وبرغم أن قناعتي تلك لم تتحرك قيد أنملة بعد مشاهدتها
إلا أنني رأيت من واجبي أن أشاهدها
وأن أعلق عليها مرة واحدة، وهو اهتمام لا تستحقه...

الكلمة الأولى عندي هي "أنا أعتذر"

أعتذر كواحد من أقباط مصر، لم يوكلني منهم أو عنهم أحد.
أعتذر عن التحيز المستفز، والتجني السافر في البحث عن العورات.
أعتذر عن المغالطة، وتعميم ما هو استثناء، وتكبير ما هو هامشي، وتجاهل كل ما هو حسن وصالح مهما عَظُم لمصلحة ما هو سلبي مهما قَزَم.
أعتذر عن التسطيح واختزال العالم في أبيض وأسود.
أعتذر عن اغتصاب حق النقد بأيدي من لا يملك – بحكم الانتماء - ولا يستحق – بحكم الموضوعية – فصار العمل كله غريباً في أرضٍ غريبة.
أعتذر عن الغباء في خلط الجد بالهزل، والتخلي عما تمسك به بني البشر منذ فجر التاريخ – مهما اشتدت العداوات – ألا وهو احترام مقدسات الآخرين وعدم المساس بها في بالفعل أو القول أو حتى التلميح غير المباشر.

وأعتذر أيضاً كمصري وكمسرحي ولو حتى كمجرد مشاهد
أعتذر عن تجاوز حق الجيرة التاريخية والمصير المشترك.
أعتذر عن التهاون في مقدرات وطن.
أعتذر عن الفكرة الساذجة، والدراما المفتعلة، والشخصيات الكرتونية، واللغة الركيكة، والخلفيات الصوتية المبالغ فيها، والسينوجرافيا القبيحة.
أعتذر لأن من صنعوا هذا "الشيء" نسبوه إلى المسرح، وكان الأسهل لهم ولنا أن يكتفوا ب"اسكتش" لا تزيد مدته عن خمس دقائق...

باختصار شديد ... أعتذر عن هذا العمل

أما الكلمة الثانية عندي فهي مجموعة من الملحوظات التي قد لا تغير مما سبق شيئاً، ولكنها قد تساهم في وضع "الخطأ" في حجمه الطبيعي:
- العمل يدور كله في فلك جماعة إسلامية متطرفة، فنحن لا نرى أي نموذج آخر للمسلمين. وهذا – بقدر ما يمثل سطحية النص – إلا أنه يترك مساحة للتسامح مع ما يُقدم باعتباره يصف من يفسرون الدين على هواهم، فلا يصير دينهم هو دين أمة الإسلام إلا فيما ندر.

- الكثير مما يُقدم مأخوذ عن أعمال تلفزيونية وسينمائية تهاجم التطرف. ورغم أن ذلك لا يبرر عرضه داخل الكنيسة إلا أن الكثير من محتواه ليس جديداً على أي حال.

- الجماعة نفسها مُقسمة إلى مجموعتين، الأمير ومعاونه، وكل باقي الأفراد. والغريب – بل وأقول أنه إيجابي إلى حد ما – هو أن كل الأفراد يجادلون أميرهم، ويسخرون من أحكامه المتطرفة، ويتبجحون على تصرفاته، ويرفضونها. ويذكر أفراد الجماعة الكثير من آيات القرآن السمحة وأحكامه العادلة ما يرد على كل ما يقول، ولا يغلبهم هو إلا باعتباره الأمير الذي تجب طاعته. وحين يهاجم مساعد الأمير بطل المسرحية المسيحي، لا يجد من يدافع عنه غير صديقه المسلم.

- نموذج الفتى المسيحي الوحيد في المسرحية هو سطحي وساذج، فهو يقرر الأفضلية بين الدينين من منظور مغرق في الأنانية، فهنا الوعود بالمال والزواج والعمل – وهو ما لا يعبر عن الإسلام بأي حال – وهناك رضاء الأب والأم والأخت – وهو ما لا علاقة له بالمسيحية -. وبرغم أن هذا لا يدل إلا على الغباء الدرامي، فهو يُخفف كثيراً من وقع أي شيء يتوصل له هذا الحَكَم العبقري. فلا يُجِّل الإسلام شيئاً انضمام هذا الحقير إليه دون اقتناع، ولا يهينه في شيء الرجوع إلى أهله في مشهد تراجيدي مثير.

- في أثناء تقديم الممثلين بعد المسرحية، يشكر الأب الكاهن كل من ساهموا في العمل، ومن ضمنهم كورال الكنيسة من الأطفال، ويقول لهم: "هناك مكافأة صغيرة في انتظاركم"، فيضحك الأطفال منه قائلين: "تمر"، وهم يشيرون بذلك إلى مكافأة الأمير لجماعته على أعمالهم الحسنة. ويرد عليهم الكاهن قائلاً: "الأمير يوزع التمر، وأنا أوزع البلح". هاهاهاهاهاها. إنه من المثير للسخرية والتشفي أن المصائب تنقلب على أصحابها، فالعمل الذي أرادوا به خلق صورة كاريكاتورية عن أمير الجماعة، انقلب في عقول الأطفال إلى صورة كاريكاتورية عن كاهنهم نفسه... إنها حكمة القدر

إذن، في رأيي الشخصي، إن العمل – برغم كل مساوئه – لا يرقى إلى مرتبة "الإهانة الجادة" للدين الإسلامي. إنه أصغر وأقل من ذلك بكثير. وظني أنه قد يؤثر بقوة على مشاعر البسطاء – الذين هم أغلبية شعبنا العزيز – لكنه غير قادر أن ينال بأي حال من مشاعر مشاهدين أكثر عمقاً مهما بلغت درجة تدينهم.

ولأعقد لكم مقارنة بسيطة، فمقدار "الإهانة" في هذا العمل الساذج لا تُقارن – في رأيي الشخصي – بالحوارات الحقيرة على ال Pal Talk في الحجرات التي تهاجم الإسلام وتلك التي تهاجم المسيحية، ولا تُقارن بكتب المناظرات الشهيرة التي ينتصر فيها شيخٌ على قس وقسٌ على شيخ، ولا تُقارن ببعض البرامج الدينية على الفضائيات، والشرائط التي يُدمنها سائقو التاكسي وما إلى ذلك من تجليات الإهانات الدينية الجادة.

إن من استطاعوا أن يُحَولوا هذه المسرحية إلى فتنة طائفية قد أشعلوا النار بمستصغر الشرر، رغم أن الساحة لا تخلوا من براكين حقيقية يُصر الجميع على تجاهلها.

هذه شهادتي عن المسرحية الشهيرة، ورغم أن الحديث عن المصالحة والمصارحة لم ولن ينقطع، إلا أنني أعتبر أن وضع هذا العمل في قلب هذا الحديث المهم هو شرف لا يستحقه، وتشتيت لسنا بحاجة إليه...

اللهم بلغت... اللهم فاشهد

Thursday, October 27, 2005

مبادرات المدونون من أجل المصالحة والمصارحة

Call for Peace & Openness



دعوة للصوم، معاً أمام الله...لنصُم جميعاً - مسلمين و مسيحيين - يوم الأثنين القادم 31/10/2005 من الفجر وحتى غروب الشمس، وليكن صومنا المشترك تقدمةً أمام الله من أجل وطننا عملاً روحياً يجمعنا نقابل به أعمال الكراهية و التفرقة ولنكسر صومنا معاً، يبحث المسلم عن مسيحي يفطر معه و يفعل المسيحي كذلك.


هيا نقف معاً أمام الله من أجل الوطن!!!


(الدعوة يتباناها عدد من المدونين المصريين. اضغط على الصورة أيضاً لتقرأ أو تعلق أو توقع على بيان المدونين المصريين)

Wednesday, October 26, 2005

ما زرعناه في العقول ...نحصده في محرم بك

أعود أخيراً بعد أسابيع من الغيبة المبررة، بعضها مقصود، وبعضها اضطراري لأسباب السفر والمرض...

والحق أني كنت أنوي أن أبدأ بحديث شخصي، يزيح عن نفسي بقايا الأيام التي قضيتها متأملاً في حال حياتي خلال هذه الأسابيع، لكنني أعود وهناك ألم جديد في قلب الوطن...

يتساءل البسطاء في بلدي: هل قَصَدت الكنيسة المصرية إهانة الإسلام في تلك المسرحية المزعومة؟ وكيف نُعاقب إذاً كل المسيحيين في مصر على هذه الفِعلة الشنعاء؟؟

وأرى أنه في قلب تساؤلات البسطاء دُفِنَت عشرات الحقائق الكارثية عن مجتمعنا الذي حولناه بأيدينا لقنبلة موقوتة. وإليكم بعض هذه الحقائق:

- التكوين العادي للرجل العادي في مصر يُكرس التفرقة وعدم فهم الآخر إلا على مستوى سطحي أحمق. هذه حقيقة. ماذا تتوقعون إذاً من مجموعة من الشباب يقومون بعمل فني ساذج عن الإرهاب أو غيره... أي قدر من نضج التناول وعمق التحليل نتوقع من شباب تعمدنا أن نُسَطِح رؤاهم وأن نكبت تساؤلاتهم وأن نحرمهم من أي فرصة لتكون "إبداعاتهم" على مستوى المسئولية؟؟ هل تظنون أن هذه المسرحية – إن وُجدت فعلاً – هي قمة التجليات؟؟ أُقسم أننا لو حاولنا استقصاء رأي كل الشباب المصري – بمسلميه ومسيحييه – عن رأيهم في الدين الآخر، لوجدنا ما لا يقل عن 80% من الإجابات كافياً لقيام ألف مظاهرة على شاكلة مظاهرات محرم بك. ولو كان الإخوة الأفاضل الذين قاموا بنسخ الCD – مع احتمال تحريفه – وتوزيعه، لو كانوا على قدر أعلى من الكفاءة والفاعلية لغرقت أجهزتنا بمثيلات هذه المسرحية ما لا يمكننا تتبعه. هذا ما زرعنا، وهذا ما سنحصد. وكل من ظن أنه بهذا التكوين المتخلف يصنع حسناً، عليه أن يعيد النظر.

- نحن مجتمع لا يفهم معنى "الجدل"، فلا نختلف أبداً دون أن نتشابك ونتراشق ونكره. كلنا نغضب حين نختلف، وما يفرقنا عن بعضنا البعض هو قدرة كل شخص على احتمال الغضب. فمنا من تقف حدوده عند "الأهلي والزمالك" ومنا من يتحمل الغضب حتى نخوض في "الدين"، وهو عندنا قُدس الأقداس الذي لا يُسمح فيه بجدل. واسمحوا لي أن أكون أكثر وضوحاً: إذا كنت لا أقبل على أي جماعة من المسيحيين أن يختاروا انتقاد الممارسات أو الأفكار الإسلامية موضوعاً لمسرحيتهم، فأنا في الوقت ذاته أحب أن أحفظ لهم حقهم في أن يقيموا مسرحية لانتقاد الممارسات التي حولهم في الكنيسة، وأن أحفظ لإخوانهم في الجامع المقابل حق انتقاد ما لا يعجبهم في ممارسات دينهم، وأن أحفظ لكلاهما سوياً حق انتقاد كل ما يحدث في هذا الوطن. ولكن ما يحدث بالفعل هو أن كل هذه الحقوق معدومة وممنوعة، ما عدا هذا الحق الأخرق في انتقاد الآخر. ومرة أخرى، هذه هي السبل التي فتحناها، وهذه هي التي يسير فيها الجميع.

- نحن مجتمع أغلبه من القطعان، ولا ينقصه الذئاب. إن كل أحداث محرم بك تُشير بشكل أو آخر إلى مجهود مُتعمد من قِبل جماعة ما من خارج الإسكندرية، لأسباب قد تبدو انتخابية. وبغض النظر عن التفاصيل، فما يُروعني حقاً في هذا المشهد، هو السهولة التي تم لهم بها مقصدهم. لم يكن المتظاهرون – بحسب شهادة الشهود – من الغوغاء مدفوعي الأجر كما يحدث في بعض الأحيان، بل كان منهم كثير من المخلصين لما ظنوه قضية. كانوا يتدافعون نحو الأمن صارخين "الله أكبر" وكأنهم يقدمون أنفسهم في "الحرب المقدسة" ضد الصليبيين. ومُعظم هؤلاء – إن لم يكن كلهم – اعتمدوا في "غضبهم المقدس" على حكاية لم يتأكدوا من صدقها، ومسرحية لم يروها رؤى العين. لم يتساءل أيٌ منهم عن المصدر والتوقيت، واكتفوا بالتصرف بحسب ما فرضه عليهم حماس الموقف اللحظي. أنا لا ألوم هؤلاء، وكلي رجاء ألا تسقط تبعات هذه الأحداث على رؤوسهم، فهم في النهاية مجرد مسلمين بسطاء يدافعون عن كرامة دينهم. لكن ما الذي نتوقعه من مجتمع بنيناه من "التابعين"، فتفرقت قطعانه وراء الرعاة، والذئاب المرتدين ثياب الرعاة. نحن ربيناهم، ونحن الآن نفقدهم.

إن الاعتراف المبدئي بمشكلتنا الثقافية هو أبسط ما يتطلبه السير على طريق الحل. وهذا الاعتراف لن يحدث، لأن مصر كلها ليس فيها زعيم سياسي أو ديني يستطيع أن يعترف بأن أغلبية شبابنا سطحيون، ومُغيبون ثقافياً، وضعاف الشخصية، ويحترفون رفض الآخر. وأن مشكلتنا الثقافية هي ببساطة نتيجة تكوين خاطئ على مدى عقود من الزمان.

هل هناك مخرج من هذه الغُمة؟؟
إن تغيير واقع الوعي المصري هو عمل لا قِبَل لجماعة واحدة بالنهوض به، إنه أقرب إلى مبادرة "محو الأمية"، وإن كان أصعب وأكثر تعقيداً، حيث أنه يُخاطب منطقة أكثر إظلاماً في العقل المصري، ويتقاطع مع أيديولوجيات ومصالح يرعاها المثقفون والزعماء، وهم الرعاة المطلوب منهم قيادة الطريق نحو الحل. غير أن المدخل – في اعتقادي الشخصي – ينبغي أن يعتمد بشكل ما على الحركة "العنقودية"، حيث تقوم كل بؤرة من المثقفين بمحاولة تغيير واقعها الأقرب، وتطلب من هؤلاء نشر الرسالة للمستوى الأبعد وهكذا. لكن من أين يبدأ الطريق؟؟ وكيف نتخطى حالة "الإنكار" Denial التي نعيش فيها، فنواجه أنفسنا، ونبدأ في التحرك، من أجل مستقبلنا لا حاضرنا الأقرب؟؟؟



Monday, October 03, 2005

الموت في سبيل الله


الموت في سبيل الله هدف جليل... لو وضح السبيل
لكن تعالوا نتعلم الحياة
الحياة في سبيل الله
هذه الكلمات الرائعة من مقدمة برنامج "حجر الزاوية" الذي أتمنى أن أتابعه في رمضان
وأعجبتني أيضاً مقدمة برنامج الرسول الإنسان
(وبين قوسين، رأيي الشخصي أن الدعاة العرب يصيرون يوماً بعد يوم أكثر نُضجاً من الدعاة المصريين، وأكرر أنه رأيي الشخصي)
وكل عام وأنتم جميعاً بخير

كريستيان فان نسبن... أبي الروحي

قليلون هم الأشخاص الذين تقابلهم مصادفة، في لقاء لا يفترض أن يدوم لأكثر من عشرين دقيقة، فيدوم لأكثر من إثني عشر عاماً، ويغير لقاءهم من حياتك وحياة كل من حولك طوال هذه السنوات وبعدها كثير…

قليلة هي اللحظات التي يذكرها الشخص بمنتهى الاعتزاز والفخر، ولا يكون هو فيها صاحب دور البطولة، بل مجرد مُشاهد، منحته الظروف فرصة أن يكون موجوداً، في عصر يعيش فيه رجل عظيم…

مازلت أذكر لقائي الأول بالأب/كريستيان فان نسبن توت سيفينار Christian Van Nispen tot Sevenaer، وكنت وقتها في أولى سنوات الجامعة، وكنت أبحث عن نموذج لإنسان يعيش حياته بصدق، لأقوم بعمل حوار معه لصالح مجلة أحد الأنشطة. واقترح عليَّ أحدهم أن يكون الحديث مع الأب/ كريستيان، مُعلقاً: "
هذا الرجل علامة رجاء". وقد كان أن طلبت الحديث، واتفقنا أن نلتقي في مدرسة الجزويت برمسيس.

كنت في الانتظار، حينما ظهر الرجل، هو في حوالي الستين من عمره، رمادي الشعر، ضحوك، ويركب "البسكلتة"!!! نعم، أتى الرجل من حيث يقيم في شبرا إلى رمسيس راكباً دراجة. وعلمت فيما بعد أنه – من حيث كونه هولندي الأصل – يستخدم الدراجة للذهاب إلى أي مكان في القاهرة، وهو يعلق على ذلك ضاحكاً: "العجلة من الشيطان، علشان كده بنركبها وندوس عليها".

الأب/ كريستيان هو راهب يسوعي هولندي، أتى إلى مصر سنة 1960 تقريباً، وعاش فيها أكثر من نصف عمره. عندما تقدم للرهبنة، اختار آية صغيرة غير ملحوظة من الإنجيل لتكون هي شعار رسالته في الحياة: "أعطانا خدمة المصالحة"... وعلى ذلك، فقد جعل حياته خبرة مُعاشة للمصالحة، ما بين الناس، والطوائف، والأديان. حصل على الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية، وصار مع السنين أحد الوجوه المسيحية النادرة المقبولة من جميع الأطراف في مجال الحوار بين الأديان، كما لعب نفس الدور تقريباً في الحوار بين الطوائف المسيحية. أسس مع أصدقاؤه من المسلمين – وكان منهم وزير الأوقاف وشيخ الأزهر الأسبقين – جماعة الإخاء الديني، ثم جمعية عدالة وسلام، وذلك في محاولة لخلق مساحة من المحبة والمشاركة بين الباحثين عن الله المحبة – كلٌ في دينه وعلى طريقته – .

عندما يتحدث الأب/كريستيان إلى تلاميذه – وهو قد درَّس الفلسفة (مادة البحث عن الله) والإسلاميات على مدى عشرات السنين، وفي العديد من المؤسسات – يقول لهم: "
ينبغي أن يكون لنا لغة واحدة نتحدث بها، فأنا أحاول قدر الإمكان أن يكون حديثي عن المسيحية والإسلام واحد سواء كنت أتحدث إلى مسيحيين أو مسلمين، وهذه المحاولة تجعلني أفهم الآخر بأسلوب أفضل".

نشر الأب/ كريستيان بعض الكتب، والعديد من المقالات، وحاضر عشرات وربما مئات المرات في موضوع قبول الآخر. وآخر كتبه سماه "مسيحيون ومسلمون... معاً أمام الله"، ويطرح فيه فكرة الصلاة باعتبارها مساحة للمشاركة والتقارب بين أبناء الدينَين. وهو يعلم جيداً أن هناك الآلاف من الذين يفضلون البحث عن مساحات الاختلاف، ويتمسك في وسط كل ذلك بمعنى "
الرجاء". وقد قال لي في أحد المرات: "عندما أموت، أتمنى أن تكون الكلمة الوداعية في ذلك اليوم عن الرجاء.

كل ما سبق هو بعض الحديث الرسمي عن هذا الأب الحبيب، أما على المستوى الشخصي، فلا أظن أن ما أشعر به تجاهه يمكن التعبير عنه. فمنذ ذلك اليوم الذي التقيته فيه، وكنت وقتها أمشي على الأرض بخيلاء من لا ند له، وأعيش وهم العمق والتفلسف، وكنت وصحبي نطلق على جماعتنا وصف "الفريق الأعظم"، ونرى في أنفسنا مثالاً للأرستقراطية الفكرية... ثم قابلته، وأدركت كم نحن صغار. وطلبت منه أن يعطينا بعضاً من وقته واهتمامه، فأعطانا حباً مازال يجمعنا على ابتسامة، وسلاماً مازال يظللنا، وما لا يُحصى من اللحظات العميقة الجميلة، التي ملأها بما له من عمق، وبالرجاء المُعدي، وزينها بخفة ظل قَل أن تتأتى لرجل كرس حياته لمعركة تظنها الأغلبية خاسرة لا محالة.

Christian


لا يمكنني أن أدَّعي أنني اقتربت حتى من وصف الفخر الذي أشعر به، عندما أقول أن كريستيان فان نسبن هو أبي الروحي. لكنني لم أستطع إلا أن أهدي إليه هذه الكلمات المتواضعة، وقد احتفل منذ أيام بخمسين عاماً على دخوله الرهبنة، وكان احتفالنا به تجمعاً من الصغار والكبار، الراهبات والمحجبات، الفقراء والمفكرين، خليطاً من المُختلفين الذين لا يجمعهم سوى يومٌ مثل هذا، ورجلٌ مثل هذا.

كل عام وأنت على طريق الرجاء يا أبي الروحي.

Sunday, October 02, 2005

مصطلحات عربية

أرسل لي أحد الأصدقاء هذه الترجمة للمصطلحات... حقاً، شر البلية ما يضحك:

التنوير

عملية تتم في الشوارع عندما يسكنها وزير

العولمة

عملية تحول اجتماعي وثقافي وفني تمارسها فيفي عبده

الشفافية

سمة ضرورية للملابس المستخدمة في العولمة

الجات

مصيبة وجات على دماغنا

النظام الملكي

عند وفاة الملك ينتقل الحكم لابنه ليصبح هو الملك الجديد

النظام الجمهوري

عند وفاة الرئيس ينتقل الحكم لابنه ليصبح هو الرئيس الجديد

المبايعة

ورقة بتكتبها لما تبيع عربية قديمة

الدستور

كلمة تقال للحماية من الآسياد لما الواحد يدخل بيت مسكون

الديموقراطية

نوع من الفنون الزخرفية يستخدم لتزويق صورة الحكومة

القانون

آلة تصدر أصوات جميلة لما تلعب فيها بصوابعك

الحرية للجميع

للشعب أن يقول ما يشاء ، وللحكومة أن تفعل ما تشاء

حرية النشر

تمارسها النساء على السطوح في المناطق الشعبية

رأي المرأة

ستات مصر قالوا كلمتهم ؛ النخلتين سمنتهم

الدبلوماسية

أحسن هدية تصالح بيها مراتك بس بشرط الماس يكون حر

الصراع الطبقي

خناقة كل بيت على مين اللي حيغسل الأطباق النهاردة

الحرب الأهلية

حرب البنت مع أهلها عشان تتجوز الواد اللي هي عايزاه

حرب الشوارع

قيادة سيارة في شوارع القاهرة

حرب التحرير

معركة شهيرة يخوضها كل من يريد استخراج جواز سفر من مجمع التحرير

العمل الثورى

مذكر العمل البقرى

الوحدة العربية

أن تعاني كل دولة عربية الشعور بالوحدة

Saturday, October 01, 2005

هل ... هلاله

هل هذه الغيبة الطويلة لها أي مبرر؟؟
هل هو الوقت؟
هل هي كآبة أيلول؟
هل هي محاولة "هندرة" شركة و"هندرة" وطن
هل هو الاهتمام بالمعجزة الصغيرة النائمة بجانبي؟
هل أعيد تقييم دوري؟؟ وأفكر من جديد في معنى أن يكون ليَّ صوت
هل أخذتني الحالة الفنية، مثل كل عام، بعيداً عن كل الأولويات الأخرى؟
هل هي – ببساطة – احتياجاتي اليومية، وعلاجاتي اليومية، ومجاملاتي اليومية
هل هناك إجابة تشبع هذا الجوع؟؟؟
هل ينتظرها أحد؟؟؟
هل تصنع فرقاً؟؟؟
هل تُريح؟؟
هل...

Saturday, September 17, 2005

البحث عن مدينة أسكنها


أتحرر من الزمان...
فأرى كل الأماكن عبر التاريخ تَتَّحِد في خريطة واحدة...

ألمح بلا صعوبة كل المدن التي أعشقها...
كل المدن التي سكنتها وسكنتني

أرى طيبة الجميلة، تستقيظ على ضفاف النيل الشاب
هنا وُلدت على الضفة الشرقية،
وهناك رقد جسدي وسط أجدادي الراقدين في الغرب
وبين الضفتين سرت فخوراً بهذه الحضارة التي كانت فجراً للضمير

أتمنى لو أسكن في أخيتاتون، بين صانعي الخزف والزجاج، بشكل قرص الشمس
وأن أصلي في المعابد التي سمعت لأول مرة كلمة "الإله الواحد"
قبل أن تصير أطلالاً تتحدث عن غباء الزمن

أجلس في وسط الأكروبوليس،
أنظر من فوق الجبل إلى المدينة العظيمة أثينا...
ثم أهبط إلى ساحة الفلاسفة... لأتحاور هناك مع الأصدقاء القدامى

أصلي في الناصرة والجليل،
وأقبل التراب الذي سار عليه ابن الإنسان
في الطريق إلى الجلجثة

ثم أبحر عائداً إلى الأسكندرية،
حيث أقضي يومي ما بين المكتبة والمدرسة
وأرى غروب الشمس كل يوم من فوق الصخور

وأسير في الصحراء، لأصل إلى المدينة الفرحة
بأغاني "طلع البدر علينا"، وصوت "بلال" يملأ الأفق
وهناك أفرح مع الفرحين لمقدم نبي جديد

وأمر في الأسواق الحافلة بالعطور، في غرناطة الأندلس...
وأسمع الناس تتحدث باللسان العربي
وأضحك في سعادة لا توصف،
وأنا جالس في حضرة ابن الحداد وابن رشد

وأعبر الجبال والغابات،
وأدخل عاصمة النور... باريس
حيث يُتزوج الجمال بالفن، ليولد الحب طفلاً كل يوم
وأفرد ذراعي وأرقص كأن الشوارع كلها ملكي...
وأعرف هناك فتاة جميلة، إسمها الحرية

وأنجرح...ويُسفك دمي
وتروي دموعي كل الأراضي القاحلة
ولا أستطيع أن أدخل القدس...
لأنهم أحاطوها بالأسلاك الشائكة... والنظرات الشائكة
والأحلام الشائكة

وأهرب إلى المدينة التي لم توجد بعد
مدينة أورفليس...
حيث يسكن السلام في خطبة الوداع الشهيرة

وأطير عائداً إلى القاهرة...
مدينتي الغجرية، الضاحكة، الخانقة...
أم كل المدن، فمنها أنطلق، وإليها أعود
وأحدثها عن رحلتي...
المدن التي أعشقها، وتلك التي أكرهها
برلين هتلر ... لندن بلير ... ونيويورك بوش
وأشكو لها عجز كل المدن أن تكفيني
فتقرأ علي من ذاكرتها، أبيات غنَّاها جبران على مسامعنا:

يا بلاداً حُجبت منذ الأزل
كيف نرجوك ومن أين السبيل؟
أي قفرٍ دونها، أي جبلٍ سورها العالي...
ومن منا الدليل؟
أسرابٌ أنتِ أم أنتِ الأمل في نفوسٍ تتمنى المستحيل؟
أمنامٌ يتهادى في القلوب ... فإذا ما استيقظت ولى المنام؟
أم غيوم طفن في شمس الغروب قبل أن يغرقن في بحر الظلام؟

***
يا بلاد الفكر يا مهد الأولى ... عبدوا الحق وصلوا للجمال
ما طلبناك بركبِ أو على متن سفينة، أو بخيلِ ورحال
لستِ في الشرق ولا الغرب، ولا في جنوب الأرض، أو نحو الشمال
لستِ في الجو ولا تحت البحار ... لستِ في السهل ولا الوعر الحرج
أنتِ في الأرواح أنوار ونار ... أنتِ في صدري فؤاد يختلج

Friday, September 16, 2005

تحليل نتائج الانتخابات: السؤال الأول...ومفاجأة

نتائج الانتخابات تخبرنا بالكثير
وليتنا نحصل على النتائج مقسمة على الصناديق لا المحافظات...
أول سؤال سألته لنفسي: هل هناك علاقة بين نسبة المشاركة ونسبة التأييد للرئيس مبارك؟؟

أجريت العديد من الاختبارات الإحصائية، لا داعي لشرح تفاصيلها، وكلها أدت إلى نتيجة واحدة...

Election Analysis 1


"كلما ارتفعت نسبة المشاركة، ترتفع معها نسبة التأييد لمبارك"

هذه هي النتيجة العلمية، من الممكن طبعاً أن نختلف على دقتها الإحصائية، ولكن لا داعي للتسرع بالاستنتاجات، فهذه النتيجة لها تفسيرات كثيرة:

أول تفسير: النسبة الحقيقية لتأييد مبارك بين الناخبين هي أعلى من 88.5%، وقد تأثرت هذه النسبة سلباً بقلة عدد المشاركين في بعض اللجان.

ثاني تفسير: في المناطق التي فيها تأييد عام لمبارك، شارك الناس بنسب أعلى من المناطق المعارضة، حيث زادت آثار المقاطعة، وفقدت هذه اللجان تأثيرها العام على الانتخابات.

ثالث تفسير: في اللجان التي حدثت فيها تجاوزات تدخل في إطار "التزوير"، مُنِحت الكثير من الأصوات الغير حقيقية لمرشح الوطني، مُحدثة فارق واضح بين هذه المحافظات والمحافظات التي لم يحدث فيها تزوير.

هذه بعض التفسيرات المُحتملة، وهناك غيرها...
أيهما تظنون هو الافتراض الصحيح؟؟؟؟؟؟؟؟؟

أنتظر تعليقاتكم واقتراحاتكم لتحليلات أخرى... ولهذا الحديث بقية

Thursday, September 15, 2005

إمبراطورية ميم

إمبراطورية ميم

مَن مِنا ينسى هذا الفيلم؟؟؟
تعالوا أذكركم به...مع الكثير من التحريف المسموح به...

كان يا مكان إمبراطورية...
هي في الواقع لم تعد إمبراطورية، بل مجرد عائلة كبيرة
إسمها من ثلاثة حروف، أولهم كما هو معلوم ميم

كان رب العائلة ... ميم الكبير، يحكم في امبراطوريته بالطول والعرض
أحياناً بالعدل، وأحياناً بالهذل، وكثيراً جداً يغيب عن بيت عائلة المِيمِّيون، ليسهر مع الأحبَّاء والرفاق، ويمنح أهل الثقة وقتاً هو حق لأبناء بيته. تاركاً إدارة شئون البيت للحارس والخادمة سيئة السمعة.

وبسبب ذلك، ساءت وتدهورت الأحوال الميمِّية، فانحرف الأبناء أو تطرفوا، واضطرت الفتيات للعمل في البارات للإنفاق على الصغار...
وعششت العناكب في كل الحجرات...
وطال الأمر لما يقرب من ربع قرنٍ من الزمان.

وأخيراً نهض الأبناء، مُطالبين بانتخابات، يختارون فيها من يحكم في أحوال البيت الميمي. ووافق ميم الكبير مُكرهاً ومشكوراً...
واختار الإخوة أحدهم مرشحاً لهم، رمزاً للغضب والاعتراض، رمزاً لرفض السنوات التي تُرك فيها البيت بلا رب يرعاه...
واشتعلت المعركة الانتخابية على كل حوائط البيت.

لم تكن المعركة عادلة بكل تأكيد، فقد فرض ميم الكبير مواعيداً وقوانيناً محددة للتجمهر – بدعوى أن "الأولاد" يجب أن يُحَصِلُوا دروسهم ولا يتأخروا في النوم -، كما أن مؤيديه من المنتفعين بالوضع الحالي لم يدخروا جهداً في نزع الدعاية الانتخابية للمنافس المرتقب – بدعوى الحفاظ على نظافة البيت -. لكن على الجهة المقابلة، لم تكن معركة الأبناء خالية من الابتذال.

فقد وعد الأخ الأكبر كل أهل البيت بكل ما لذ وطاب، بغض النظر عن قدرته على الوفاء بوعوده، وبلا اهتمام بما تُسفر عنه هذه الوعود. فوعد الأخت الصغرى بأن يطلق حريتها في إحضار من تريد من الرجال إلى البيت، ووعد – في الوقت ذاته – الأخ التوأم، أن يسمح له بضرب أخته إذا تأخرت عن مواعيدها في الرجوع إلى البيت!!! واستخدم الأبناء المراهقون كل أسلحتهم من الألفاظ النابية القذرة، في معركة يُفترض أنها للدفاع عن الحرية.

وجاء يوم الانتخابات... وملأت البيت الميمي الزينات
وفتح أصغر الأطفال صندوق الاقتراع، وبدأ في قراءة النتائج...
مب... مب... مب... ماما
ماما... ماما... الست منى

هل حدث تزوير ما؟؟ هل تغيب أهل البيت عن الحضور؟؟ هل سرق الحارس أصوات أهل البيت الحقيقية؟؟ ربما يكون شيء من ذلك قد حدث...

لكن الأقرب للواقع والتصديق، أن مُجمَل أهل البيت – رغم غضبهم الشديد من أحوال ميم الكبير – قد اختاروا أن يستمر هو في إدارة البيت. رُبما بدافع من الخوف، رُبما لأن الأخ الأكبر ليس ناضجاً بعد، رُبما لأنهم ظنوا أنهم قد أثبتوا بالفعل وجهة نظرهم وكفى... لا أحد يدري بالتحديد.

لكن المشاهد التالية لإعلان النتائج، تطرح شيئاً من الأمل في مستقبل الأيام الميمِّية. فقد تنازلت الست منى عن حبيبها ورغباتها الشخصية، من أجل مصلحة العائلة الكبرى. واجتمع الميمِّيون في صورة جماعية، لا تُحابي لمؤيد، ولا تُعادي معارض. فالكل مصلحة واحدة، والوطن الميمي فوق الجميع.

وبينما كان الصغار يضحكون في سعادة، كان ميم الكبير يفكر في هذه الثقة التي منحها له أبناؤه، هل يستحقها؟؟ هل تعني أن كل شيء على ما يُرام وليس من داعٍ للتغيير؟؟

أم ياترى هي دعوة لكي يتغير كل شيء؟؟ لكي يعود الأب إلى البيت، ويؤدي دوره الحقيقي فيما بقى له من أيام، ويُحدث تغييراً حقيقياً يُعدُّ به كل أبناءه للمشاركة الحقيقية والفاعلة في أحوال العائلة، فهو الماضي، وهم المستقبل...

ولعل المستقبل يعود بها من جديد، لتستحق هذا الإسم العتيد...
إمبراطورية ميم

Wednesday, September 14, 2005

أيلول الحزين: احتفالات...اعتقالات...انتخابات...انفجارات...واكتئابات

في السنة التالية لانتصارات أكتوبر المُخَلَدة
في منتصف الليل الفاصل ما بين العاشر والحادي عشر
من شهر أيلول (سبتمبر) – شهر الحصاد –
في يوم عيد النيروز (الشهداء) ومع أغاني البلح الأحمر
صرخت صرختي الأولى في هذا العالم...

في ليلة صيفية،
امتلأت سماءها بالغيوم، وبللت أرضها الأمطار
وأشعلت فيها القاهرة ألعاباً نارية من البرق والرعد...
جئت إلى هذه الدنيا، مُتأخراً نحو الشهر عن موعدي

وعلى مدى ما زاد عن رُبع قرن، وما مر بين قرنين
كان أيلول دوماً علامة فارقة في تاريخي العادي، والبعد-عادي

أشرق أيلول عندي بأول ذكرى سياسية، وأنا عمري سبع سنوات
حين قرر السادات – رَحِمَهُ الله – اعتقال كل معارضيه في ليلة واحدة
ورأيت لأول مرة غضباً جماعياً من الأهل والجيران والمدرسين تجاه شخص كنت أحبه
ولم تمض إلا أيام قلائل بعدها، وقطف الغضب رؤوساً مع الخريف
وتبدل الغضب في عيون من أعرف إلى خليط عجيب بين القلق والندم والشماتة

وأتاني أيلول الخامس عشر بكآبتي الأولى
وكتبت فيه السطور الأولى من يومياتي
وظلت كآبتي تزورني بشكل منتظم مع كل ولادة جديدة لأيلول الحزين
كانت الكآبة هي نتيجة منطقية لموت عام انقضى من عمر لا أعرف مداه،
ونهاية صيف فشلت أن أحقق فيه كل ما أرجوه،
وبداية موسم دراسي أكرهه،
ومولد عام أحاول أن أملأه بالوعود والاختيارات المليئة بالحماس والتضحيات

وظللت – فيما أذكر – ما يقرب من خمسة عشر عاماً أختبر يوم مولدي وأنا خارج القاهرة أو خارج مصر،
وكان هذا بمثابة عفو عام عن الاحتفال، وهو نوع من الأنشطة البشرية التي عجزت دوماً عن ممارستها.

وفي الذكرى السابعة والعشرين لمولدي،
تغيرت الدنيا...
حينما انهالت الطائرات على أبراج الكرامة الأمريكية،
ولم تمر أسابيع، إلا وبدأت الحرب "الصليبية" على شبح الإرهاب،
وصدقت النبؤة، فتغذي الشر بالشر... وانفجرت سنوات الدم.

ولم يشأ أيلول أن يُغَير من عاداته القديمة،
فأهداني هذا العام بطاقة خضراء صغيرة، مرسوم عليها هلال...
وبينما يحتفل الوطن المزعوم بفوز الزعيم
كنت جالساً في منزلي
أنتظر بفارغ الصبر
أن تطرق بابي زائرتي الدائمة... كآبتي

Tuesday, August 30, 2005

يا مسافر وحدك: صحراء الفلاسفة


"وداعاً أيتها الحياة التي أعرفها…فأنا مسافر إلى المجهول"


الأحد: كنت غارقاً حتى النخاع في قصة العلم وماهِيَّته، وكيفية خَلق الكون منذ الانفجار العظيم وحتى نظرية التطور. منذ يومين، كنت أتحدث مع أبي الروحي عن كل ما اكتشفته، فوجدته يسألني: "يبدو أنك تعلم الآن الكثير عن "كيف" خلق الكون، ألا تريد أن تفهم "لماذا" خلق؟؟؟". أعطاني كتاباً من 640 صفحة اسمه "قصة الفلسفة"، سألته عن معنى الفلسفة…قال:"الفلسفة هي ما وراء الأشياء"، والفيلسوف هو "محب الحكمة"…ولم أفهم أنا أي شيء

الاثنين: يقول الكتاب أن الفلسفة بدأت في أثينا، حيث التقت مئات الثقافات القادمة من كل مكان بالعالم القديم، وأتى كل منهم بعقيدته الخاصة. عندما تُقدم لنا ألف عقيدة، يساورنا الشك في جميع هذه العقائد. وهذا هو بالضبط ما حدث، حيث بدأ الناس يشكون في كل شيء إلى المدى الذي قال فيه شخص اسمه ديمقرطيس إنه: "لا يوجد أي شيء في الحقيقة سوى الذرات والفراغ"!! لكن الفلسفة الحقيقية -أياً كان معنى ذلك- بدأت بسقراط، الحكيم الذي لم يعط العالم أي إجابات، لكنه منحه أهم ما في الفلسفة: "الأسئلة". يؤكد سقراط لتلاميذه: "أنا لا أعرف إلا شيئاً واحداً، هو أنني لا أعرف شيئاً"، ويتبارى مع الفلاسفة الأخرين: "قد يكون من المفيد أن تحاولون تفسير الكون، لكني أدعوكم لما هو أعظم؛ أن تعرفوا أنفسكم أولاً".
صدمتني هذه الجملة في الصميم، فأنا ركزت كل جهودي حتى الآن على العلم، مفترضاً أنني سأجد كل الإجابات في كتب الفيزياء والكيمياء، والآن عرفت السؤال الوحيد الذي لا إجابة له فيها: "من أنا؟؟". عرفت أيضاً أنني لن أدرك الحقيقة، إلا إذا أدركت حقيقتي.


موت سقراط - جاك لوي ديفيد



الثلاثاء: عرفت أن أفلاطون كان تلميذاً لسقراط، وأرسطو كان تلميذ أفلاطون…ليت المعرفة تنتقل بهذه الطريقة في المدرسة!! بعد أن حكم على سقراط بالموت، لأنه رفض وجود الآلهة، أخذ أفلاطون على نفسه أن يخترع مدينة فاضلة، لا يموت فيها فيلسوف لأجل أفكاره. ناقش أفلاطون كل قضية يمكن أن تخطر لإنسان. وربط بين كل القضايا، بدئاً بالأخلاق مروراً بالسياسة وانتهاءً بعلم النفس. واكتشف أخيراً أن هدف الفلسفة، الذي هو أيضاً هدف الحياة، هو التوافق، الهارموني، التي تضع كل شيء وكل شخص في موضعه بعدل وحساب، والتي تربط بين كل الأشياء بسلاسة وصدق. الفلسفة تجعل "الكل" "واحداً"
أما أنا، فمدينتي الفاضلة ينبغي أن تكون مليئة بالحب، غير أنني لا أتوقع فيها، مثل أفلاطون، أن تكون الحياة مثالية لا مشاكل فيها ولا ألم، بل أتخيلها أقرب ما يكون إلى حياتي الحالية، بإضافة الكثير من الحب، والقليل من الفلسفة. ثم أن أفلاطون كان يريد أن يبدأ التعليم من المهد وحتى سن الخمسين !!!!!!!

الأربعاء: سيصيبني الجنون حتماً قبل أن أنهي هذا الكتاب. لقد كان أرسطو معلم الإسكندر، ويقال أن الإسكندر مَنَحُه ما يعادل اليوم 10 مليون دولار، فماذا فعل بها؟ أرسل عمال في كل أنحاء العالم ليجمعوا له من كل أصناف الحيوانات والنباتات، ليؤسس بها أول حديقة بيولوجية في التاريخ!!! اخترع أرسطو المنطق، وهو للفلسفة مثل الرياضة بالنسبة للفيزياء. وأخذ عن أستاذ أستاذه حبه للأسئلة، فكان أساس منطقه هو "قبل أن تتحدث معي، عرف ما تقول"، فإذا أخبرته أنك إنسان، فعليك أن تعرف أن الإنسان -في تعريف أرسطو- حيوان عاقل. وإذا كنت أنت سقراط، وسقراط إنسان، إذن فسقراط حيوان عاقل…هذا هو المنطق ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!!
قضيت اليوم كله ألعب هذه اللعبة مع زملائي وأمي وجدي…"يا جدو، عرف من فضلك ما تقول، هل ارتداء النظارة صفة من صفات الحيوان العاقل؟؟". لكن ما فَتَّني حقاً في أرسطو هو حديثه عن الله: " كل شيء في الدنيا هو صورة نشأت عن شيء كان مادة لها، ومادة لصورة أكبر تنشأ عنه: الرجل هو الصورة التي كان الطفل مادة لها، والطفل هو الصورة التي كان الجنين مادة لها، وهكذا…المادة هي إمكانية الصورة، والصورة هي الحقيقة التامة للمادة. وهذه الحركة يقف وراءها الله، المحرك الأكبر، لا يتحرك بل هو كائن، معنوي ولا مكان له، لا مذكر ولا مؤنث، لا يتغير ولا يتأثر، تام وأبدي. إن الله يحرك العالم كما يحرك المحبوب المحب، إنه السبب النهائي للطبيعة، والقوة الدافعة للأشياء وهدفها، إنه صورة العالم، ومبدأ حياته"

الخميس: عجيب أن تصل البشرية لمثل هذا الرقي، ثم تتوقف تماماً عن الفلسفة لمدة 18 قرناً كاملة. ملأت فيهم الأرض الصراعات التي شهدت مجيء المسيح، ثم انتشار الإسلام. وامتلأت فيهم العقول بأفكار مسلم بها لا جدال فيها. حتى قام رجل بريطاني مبجل اسمه فرنسيس بيكون، وأهم ما فعله هذا الرجل، هو أنه هز العقول من ثباتها، مؤكداً أن نصف ما نحن متأكدين منه هو غير حقيقي على الإطلاق. إن أفكارنا عن الأشياء ما هي إلا صور لأنفسنا أكثر منها حقيقة الأشياء. (تذكرت أنا طبعاً أن هذا الوقت السعيد هو نفسه الذي كان يتم فيه تكفير من يقول أن الأرض ليست مركز الكون). لقد بدأ بيكون الزلزال الذي سيستمر ويتوحش من بعده ليحطم كل المسلمات. فيجيء بعده بنحو قرن، رجل يهودي طرد من المجمع بسبب فلسفته، اسمه سبينوزا، لقد أنكر سبينوزا على الناس كثرة أحاديثهم عن المعجزات الخارقة، فكتب يؤكد "إن قوانين الطبيعة العامة وإرادة الله الخالدة هي شيء واحد، إن كل ما يحدث في العالم لا يخضع لنزوات حاكم مطلق كالملوك الأرضيين، وليست الحياة شراً والله خيراً، بل الحقيقة كما علمها الله لأيوب هي أن الله هو فوق خيرنا وشرنا وأن الخير والشر نسبيان وفي الغالب يعودان إلى أذواق البشر وغاياتهم"
بعدها بنحو قرن تقريباً قال فولتير: "إن الله قد خلق الإنسان على صورته ومثاله، فردها له الإنسان بالمثل"
أصابني الخوف من هذه الفلسفة، أحببت ما قرأت، لكنه يخيفني…يدفعني أن أفكر كثيراً جداً وأن أشك في الكثير من الأشياء…كتبت أربع ورقات مليئة بالأسئلة وقدمتها إلى الرب في صلاة طويلة قبل النوم.

الجمعة: الأجازة كالعادة، يوم سعيد…تحدثت مع أبي قليلاً وأخبرني أن الفلسفة هي شيء خطر في الكثير من الأحيان. إن فيلسوفاً اسمه روسو قد دعا إلى الثورة على المدنية، فكانت مذابح الثورة الفرنسية…وآخر اسمه نيتشة قد طالب بسيادة قانون الغاب (حق الأقوى)، فقامت وراء أفكاره الحرب العالمية الثانية. عزفت أنا على القراءة وحاولت أن أتوقف حتى عن التفكير فلم أنجح. إلى أين يأخذني هذا العقل؟ وهل هناك نهاية لهذه التساؤلات؟ وهل هناك حقيقة؟؟ أم أن الحقيقة هي مجرد "ذرات وفراغ"؟؟ ارحمني يا رب.

السبت: تشجعت قليلاً للقراءة اليوم، وكان ذلك أفضل ما فعلت، فبعد هذا العصر المضطرب المليء بالثورة العقلية، جاء رجل قصير بثورة عكسية تماماً: ثورة على العقل. يقول عمانويل كانط في كتابه ذو الثمانمائة صفحة "نقد العقل الخالص": إننا لا يمكن أن نصل لحقيقة الكون باستخدام عقولنا فقط، فحتى هذه العقول هي جزء من هذه الحقيقة، فإذا حاولنا مثلاً فهم الكون بالرياضيات فعلينا أن ندرك أن (1+1=2) هي حقيقة خاصة بعقولنا فقط، وكذلك معنى الزمان ومعنى المكان…فلا جدوى إذن من أن نحاول تفسير الله بالفلسفة، لأن الله هو خارج الزمان والمكان معاً. إن فهم الله هو بالأحرى عمل إيماني أكثر منه عقلي.

فهمت الآن أخيراً الجملة التي قالها لي أبي الروحي: "إن قليل من الفلسفة قد يجنح بك إلى الإلحاد، ولكن الكثير منها سيعود بك إلى إيمان أعمق كثيراً"

تصبحي على خير يا مذكراتي العزيزة

مراهق مصري


يا مسافر وحدك: تعليقات على التدوينة الأولى


هنا يوجد التعليقات السابقة على الجزء الأول من يا مسافر وحدك. ولسببِ ما، بقت التعليقات واختفت التدوينة