Saturday, September 17, 2005

البحث عن مدينة أسكنها


أتحرر من الزمان...
فأرى كل الأماكن عبر التاريخ تَتَّحِد في خريطة واحدة...

ألمح بلا صعوبة كل المدن التي أعشقها...
كل المدن التي سكنتها وسكنتني

أرى طيبة الجميلة، تستقيظ على ضفاف النيل الشاب
هنا وُلدت على الضفة الشرقية،
وهناك رقد جسدي وسط أجدادي الراقدين في الغرب
وبين الضفتين سرت فخوراً بهذه الحضارة التي كانت فجراً للضمير

أتمنى لو أسكن في أخيتاتون، بين صانعي الخزف والزجاج، بشكل قرص الشمس
وأن أصلي في المعابد التي سمعت لأول مرة كلمة "الإله الواحد"
قبل أن تصير أطلالاً تتحدث عن غباء الزمن

أجلس في وسط الأكروبوليس،
أنظر من فوق الجبل إلى المدينة العظيمة أثينا...
ثم أهبط إلى ساحة الفلاسفة... لأتحاور هناك مع الأصدقاء القدامى

أصلي في الناصرة والجليل،
وأقبل التراب الذي سار عليه ابن الإنسان
في الطريق إلى الجلجثة

ثم أبحر عائداً إلى الأسكندرية،
حيث أقضي يومي ما بين المكتبة والمدرسة
وأرى غروب الشمس كل يوم من فوق الصخور

وأسير في الصحراء، لأصل إلى المدينة الفرحة
بأغاني "طلع البدر علينا"، وصوت "بلال" يملأ الأفق
وهناك أفرح مع الفرحين لمقدم نبي جديد

وأمر في الأسواق الحافلة بالعطور، في غرناطة الأندلس...
وأسمع الناس تتحدث باللسان العربي
وأضحك في سعادة لا توصف،
وأنا جالس في حضرة ابن الحداد وابن رشد

وأعبر الجبال والغابات،
وأدخل عاصمة النور... باريس
حيث يُتزوج الجمال بالفن، ليولد الحب طفلاً كل يوم
وأفرد ذراعي وأرقص كأن الشوارع كلها ملكي...
وأعرف هناك فتاة جميلة، إسمها الحرية

وأنجرح...ويُسفك دمي
وتروي دموعي كل الأراضي القاحلة
ولا أستطيع أن أدخل القدس...
لأنهم أحاطوها بالأسلاك الشائكة... والنظرات الشائكة
والأحلام الشائكة

وأهرب إلى المدينة التي لم توجد بعد
مدينة أورفليس...
حيث يسكن السلام في خطبة الوداع الشهيرة

وأطير عائداً إلى القاهرة...
مدينتي الغجرية، الضاحكة، الخانقة...
أم كل المدن، فمنها أنطلق، وإليها أعود
وأحدثها عن رحلتي...
المدن التي أعشقها، وتلك التي أكرهها
برلين هتلر ... لندن بلير ... ونيويورك بوش
وأشكو لها عجز كل المدن أن تكفيني
فتقرأ علي من ذاكرتها، أبيات غنَّاها جبران على مسامعنا:

يا بلاداً حُجبت منذ الأزل
كيف نرجوك ومن أين السبيل؟
أي قفرٍ دونها، أي جبلٍ سورها العالي...
ومن منا الدليل؟
أسرابٌ أنتِ أم أنتِ الأمل في نفوسٍ تتمنى المستحيل؟
أمنامٌ يتهادى في القلوب ... فإذا ما استيقظت ولى المنام؟
أم غيوم طفن في شمس الغروب قبل أن يغرقن في بحر الظلام؟

***
يا بلاد الفكر يا مهد الأولى ... عبدوا الحق وصلوا للجمال
ما طلبناك بركبِ أو على متن سفينة، أو بخيلِ ورحال
لستِ في الشرق ولا الغرب، ولا في جنوب الأرض، أو نحو الشمال
لستِ في الجو ولا تحت البحار ... لستِ في السهل ولا الوعر الحرج
أنتِ في الأرواح أنوار ونار ... أنتِ في صدري فؤاد يختلج

Friday, September 16, 2005

تحليل نتائج الانتخابات: السؤال الأول...ومفاجأة

نتائج الانتخابات تخبرنا بالكثير
وليتنا نحصل على النتائج مقسمة على الصناديق لا المحافظات...
أول سؤال سألته لنفسي: هل هناك علاقة بين نسبة المشاركة ونسبة التأييد للرئيس مبارك؟؟

أجريت العديد من الاختبارات الإحصائية، لا داعي لشرح تفاصيلها، وكلها أدت إلى نتيجة واحدة...

Election Analysis 1


"كلما ارتفعت نسبة المشاركة، ترتفع معها نسبة التأييد لمبارك"

هذه هي النتيجة العلمية، من الممكن طبعاً أن نختلف على دقتها الإحصائية، ولكن لا داعي للتسرع بالاستنتاجات، فهذه النتيجة لها تفسيرات كثيرة:

أول تفسير: النسبة الحقيقية لتأييد مبارك بين الناخبين هي أعلى من 88.5%، وقد تأثرت هذه النسبة سلباً بقلة عدد المشاركين في بعض اللجان.

ثاني تفسير: في المناطق التي فيها تأييد عام لمبارك، شارك الناس بنسب أعلى من المناطق المعارضة، حيث زادت آثار المقاطعة، وفقدت هذه اللجان تأثيرها العام على الانتخابات.

ثالث تفسير: في اللجان التي حدثت فيها تجاوزات تدخل في إطار "التزوير"، مُنِحت الكثير من الأصوات الغير حقيقية لمرشح الوطني، مُحدثة فارق واضح بين هذه المحافظات والمحافظات التي لم يحدث فيها تزوير.

هذه بعض التفسيرات المُحتملة، وهناك غيرها...
أيهما تظنون هو الافتراض الصحيح؟؟؟؟؟؟؟؟؟

أنتظر تعليقاتكم واقتراحاتكم لتحليلات أخرى... ولهذا الحديث بقية

Thursday, September 15, 2005

إمبراطورية ميم

إمبراطورية ميم

مَن مِنا ينسى هذا الفيلم؟؟؟
تعالوا أذكركم به...مع الكثير من التحريف المسموح به...

كان يا مكان إمبراطورية...
هي في الواقع لم تعد إمبراطورية، بل مجرد عائلة كبيرة
إسمها من ثلاثة حروف، أولهم كما هو معلوم ميم

كان رب العائلة ... ميم الكبير، يحكم في امبراطوريته بالطول والعرض
أحياناً بالعدل، وأحياناً بالهذل، وكثيراً جداً يغيب عن بيت عائلة المِيمِّيون، ليسهر مع الأحبَّاء والرفاق، ويمنح أهل الثقة وقتاً هو حق لأبناء بيته. تاركاً إدارة شئون البيت للحارس والخادمة سيئة السمعة.

وبسبب ذلك، ساءت وتدهورت الأحوال الميمِّية، فانحرف الأبناء أو تطرفوا، واضطرت الفتيات للعمل في البارات للإنفاق على الصغار...
وعششت العناكب في كل الحجرات...
وطال الأمر لما يقرب من ربع قرنٍ من الزمان.

وأخيراً نهض الأبناء، مُطالبين بانتخابات، يختارون فيها من يحكم في أحوال البيت الميمي. ووافق ميم الكبير مُكرهاً ومشكوراً...
واختار الإخوة أحدهم مرشحاً لهم، رمزاً للغضب والاعتراض، رمزاً لرفض السنوات التي تُرك فيها البيت بلا رب يرعاه...
واشتعلت المعركة الانتخابية على كل حوائط البيت.

لم تكن المعركة عادلة بكل تأكيد، فقد فرض ميم الكبير مواعيداً وقوانيناً محددة للتجمهر – بدعوى أن "الأولاد" يجب أن يُحَصِلُوا دروسهم ولا يتأخروا في النوم -، كما أن مؤيديه من المنتفعين بالوضع الحالي لم يدخروا جهداً في نزع الدعاية الانتخابية للمنافس المرتقب – بدعوى الحفاظ على نظافة البيت -. لكن على الجهة المقابلة، لم تكن معركة الأبناء خالية من الابتذال.

فقد وعد الأخ الأكبر كل أهل البيت بكل ما لذ وطاب، بغض النظر عن قدرته على الوفاء بوعوده، وبلا اهتمام بما تُسفر عنه هذه الوعود. فوعد الأخت الصغرى بأن يطلق حريتها في إحضار من تريد من الرجال إلى البيت، ووعد – في الوقت ذاته – الأخ التوأم، أن يسمح له بضرب أخته إذا تأخرت عن مواعيدها في الرجوع إلى البيت!!! واستخدم الأبناء المراهقون كل أسلحتهم من الألفاظ النابية القذرة، في معركة يُفترض أنها للدفاع عن الحرية.

وجاء يوم الانتخابات... وملأت البيت الميمي الزينات
وفتح أصغر الأطفال صندوق الاقتراع، وبدأ في قراءة النتائج...
مب... مب... مب... ماما
ماما... ماما... الست منى

هل حدث تزوير ما؟؟ هل تغيب أهل البيت عن الحضور؟؟ هل سرق الحارس أصوات أهل البيت الحقيقية؟؟ ربما يكون شيء من ذلك قد حدث...

لكن الأقرب للواقع والتصديق، أن مُجمَل أهل البيت – رغم غضبهم الشديد من أحوال ميم الكبير – قد اختاروا أن يستمر هو في إدارة البيت. رُبما بدافع من الخوف، رُبما لأن الأخ الأكبر ليس ناضجاً بعد، رُبما لأنهم ظنوا أنهم قد أثبتوا بالفعل وجهة نظرهم وكفى... لا أحد يدري بالتحديد.

لكن المشاهد التالية لإعلان النتائج، تطرح شيئاً من الأمل في مستقبل الأيام الميمِّية. فقد تنازلت الست منى عن حبيبها ورغباتها الشخصية، من أجل مصلحة العائلة الكبرى. واجتمع الميمِّيون في صورة جماعية، لا تُحابي لمؤيد، ولا تُعادي معارض. فالكل مصلحة واحدة، والوطن الميمي فوق الجميع.

وبينما كان الصغار يضحكون في سعادة، كان ميم الكبير يفكر في هذه الثقة التي منحها له أبناؤه، هل يستحقها؟؟ هل تعني أن كل شيء على ما يُرام وليس من داعٍ للتغيير؟؟

أم ياترى هي دعوة لكي يتغير كل شيء؟؟ لكي يعود الأب إلى البيت، ويؤدي دوره الحقيقي فيما بقى له من أيام، ويُحدث تغييراً حقيقياً يُعدُّ به كل أبناءه للمشاركة الحقيقية والفاعلة في أحوال العائلة، فهو الماضي، وهم المستقبل...

ولعل المستقبل يعود بها من جديد، لتستحق هذا الإسم العتيد...
إمبراطورية ميم

Wednesday, September 14, 2005

أيلول الحزين: احتفالات...اعتقالات...انتخابات...انفجارات...واكتئابات

في السنة التالية لانتصارات أكتوبر المُخَلَدة
في منتصف الليل الفاصل ما بين العاشر والحادي عشر
من شهر أيلول (سبتمبر) – شهر الحصاد –
في يوم عيد النيروز (الشهداء) ومع أغاني البلح الأحمر
صرخت صرختي الأولى في هذا العالم...

في ليلة صيفية،
امتلأت سماءها بالغيوم، وبللت أرضها الأمطار
وأشعلت فيها القاهرة ألعاباً نارية من البرق والرعد...
جئت إلى هذه الدنيا، مُتأخراً نحو الشهر عن موعدي

وعلى مدى ما زاد عن رُبع قرن، وما مر بين قرنين
كان أيلول دوماً علامة فارقة في تاريخي العادي، والبعد-عادي

أشرق أيلول عندي بأول ذكرى سياسية، وأنا عمري سبع سنوات
حين قرر السادات – رَحِمَهُ الله – اعتقال كل معارضيه في ليلة واحدة
ورأيت لأول مرة غضباً جماعياً من الأهل والجيران والمدرسين تجاه شخص كنت أحبه
ولم تمض إلا أيام قلائل بعدها، وقطف الغضب رؤوساً مع الخريف
وتبدل الغضب في عيون من أعرف إلى خليط عجيب بين القلق والندم والشماتة

وأتاني أيلول الخامس عشر بكآبتي الأولى
وكتبت فيه السطور الأولى من يومياتي
وظلت كآبتي تزورني بشكل منتظم مع كل ولادة جديدة لأيلول الحزين
كانت الكآبة هي نتيجة منطقية لموت عام انقضى من عمر لا أعرف مداه،
ونهاية صيف فشلت أن أحقق فيه كل ما أرجوه،
وبداية موسم دراسي أكرهه،
ومولد عام أحاول أن أملأه بالوعود والاختيارات المليئة بالحماس والتضحيات

وظللت – فيما أذكر – ما يقرب من خمسة عشر عاماً أختبر يوم مولدي وأنا خارج القاهرة أو خارج مصر،
وكان هذا بمثابة عفو عام عن الاحتفال، وهو نوع من الأنشطة البشرية التي عجزت دوماً عن ممارستها.

وفي الذكرى السابعة والعشرين لمولدي،
تغيرت الدنيا...
حينما انهالت الطائرات على أبراج الكرامة الأمريكية،
ولم تمر أسابيع، إلا وبدأت الحرب "الصليبية" على شبح الإرهاب،
وصدقت النبؤة، فتغذي الشر بالشر... وانفجرت سنوات الدم.

ولم يشأ أيلول أن يُغَير من عاداته القديمة،
فأهداني هذا العام بطاقة خضراء صغيرة، مرسوم عليها هلال...
وبينما يحتفل الوطن المزعوم بفوز الزعيم
كنت جالساً في منزلي
أنتظر بفارغ الصبر
أن تطرق بابي زائرتي الدائمة... كآبتي