Thursday, November 19, 2009

ما زالت الفرصة موجودة للتأهل

خسرت مصر مباراة التأهل لكأس العالم، وبات المصريون ليلة كئيبة شبه معتادة. أسبوع أو أسبوعين التف فيهما المصريون حول حلم واحد، والآن تبخر. لكن، وقبل أن ينفض المولد، وتعود ريما لعادتها القديمة، أريد أن أدعوكم لنتأهل في ثمان بطولات أخرى، لا تقل أهمية، ولا تقل صعوبة عن كأس العالم، بطولات طال غيابنا عنها أكثر كثيراً من العشرين عاماً التي نتندر بها:

أ - في منتصف عام 2011، تقام بطولة اختيار رئيس الجمهورية. منذ ما يقرب من مئتي عام، والشعب المصري لم يختر رئيسه. نكاد نكون الدولة الوحيدة في العالم التي يحكمها نفس الشخص منذ 30 عاماً، وتجري كل التجهيزات على قدم وساق لكي يتولى ابنه حكم مصر من بعده. لدينا 18 شهراً لكي نقوم بإعداد بديل، ونحاول التأهل في بطولة نملك كل أوراقها.

ب - في مصر ما لا يقل عن 15 مليون يعيشون تحت خط الفقر، وما لا يزيد عن 15 ألف يعيشون فوق خط الغنى الفاحش. بحسبة بسيطة، نحن مقبلون على ثورة جياع تُرجِعنا 50 عاماً إلى الوراء. كل لحظة تمر ونحن لا نتأهل في بطولة العدالة الاجتماعية، نُخاطر بالهبوط إلى قاع الفوضى. كل مجهود نقوم به مع هذه العائلات المنكوبة يُحسن من فرص النجاه.

ج - تحتل مصر مرتبة متقدمة في الدول التي يموت فيها الناس بمجرد أن يمرضوا !! انفلوانزا الطيور والخنازير مجرد مِثال. تخفيض عدد الوفيات الناتجة عن سوء مستوى الرعاية الصحية هي بطولة يجب أن نتأهل فيها، أو نموت. لدينا آلاف الأطباء المُثقفين المُتَعلمين الذين بإمكانهم تغيير الوضع إن عملوا سوياً وسريعاً

د - هناك بطولة عالم سنوية لا يعرفها أحد في مصر، لاختيار أفضل الجامعات على مستوى العالم. هذه البطولة لم نتأهل فيها ولا مرة واحدة (ولا لزوم للمقارنة مع عدد الجامعات الاسرائيلية مثلاً لكي لا نُصاب بالإحباط). إصلاح التعليم العالي في مصر يُفتَرَض أن يكون ممكناً، باعتبار أننا نتكلم عن كيان يضم أفضل العقول المُتَعَلِمة في مصر، أساتذة ومعيدين وطلاب. فهل نتأهل في هذه البطولة، أم نكتفي بأن يكون كل هؤلاء من مُشَجعي المنتخب الوطني!

ه - العالم كله يلعب بطولة في كل يوم، على خلاف بطولة الكرة التي تأتي مرة كل أربعة أعوام. البطولة اسمها "الإنتاجية". الحسبة بسيطة، كل دولة تُحاول أن يفوق انتاج كل فرد فيها ما يستهلكه، بما يعني أن تستطيع الدولة تصدير الفائض، وبالتالي زيادة ثروة كل فرد، وبالتالي الاستثمار في البنية التحتية للمستقبل وفي مستوى معيشة أفضل. كل الفارق بين دولة مثل الصين ومصر هو في إنتاجية الفرد الواحد. إنها بطولة العالم في العمل، الالتزام، والإدارة. أين يأتي موقعنا في هذه البطولة؟

و - منذ ما يقرب من 80 عاماً، كان لدينا منتخب عبقري من المُبدعين في كل المجالات، كان خط الهجوم يتكون من اسماء مثل العقاد وطه حسين والحكيم، كان منتخب الشباب فيه أسماء مثل يوسف إدريس ومحفوظ ويوسف شاهين. في كل ميدان من ميادين الإبداع كان لدينا أبطال عالم، في الإعلام، والأدب، والسينما، والإذاعة، والموسيقى والغناء. كُنا دائماً مرشحين لنيل الكأس في مُختلف المحافل. كانت القاهرة هي عاصمة الإبداع في العالم العربي، و يقصدها المُبدعون من كل صوب. الآن، حتى مهرجانتنا المدفوعة لا يحضرها أحد. في بريطانيا، وتعداد سكانها أقل من مصر بعشرين مليون أو يزيد، يتم نشر 200 ألف كتاب جديد كل عام. كم كتاب تظنون نقوم بنشره في مصر، ومن يقرأ؟ هذه بطولة عالم تستحق أن نلعبها بكل جوارحنا، لأننا بلا ثقافة ولا إبداع ليس لنا هوية.

ز - عندما نكون مهزومين في الكرة، نقول يا رب. عندما نكون مهزومين في كل شيء، في حريتنا وثقافتنا وثقتنا بأنفسنا، نلجأ إلى طرف خارجي نستجد به من الاضطهاد الذي نتعرض له، ويصير التدين الزائد علامة انهزام، والتفسير المتطرف مهرباً من مواجهة الحقيقة. لدينا بطولة عالم لأن العالم يتقدم ونحن نتراجع، نسير خلفاً مدعومين بخرافات دينية لا محل لها من الإعراب، ويقودنا شيوخ وقسس لا صلاح لهم إلا في إلهاب العقول. نريد أن نتأهل إلى العالم الحقيقي، الذي يفكر فيه الإنسان بعقله، وتُحترم فيه حرية كل المعتقدات، ويكون الالتزام بالقانون واحترام إنسانية الآخر أهم من الالتزام بمفردات العبادة.

ح - خسرت مصر العديد من البطولات في الثلاثين عاماً الماضية. بطولة عقود الغاز والأسمنت التي منحناها بأبخس الأسعار، بطولة تأمين العلاقات مع دول حوض النيل، بطولة انتاج الطاقة النووية لأغراض سلمية، بطولة الحفاظ على الأراضي المتميزة في كافة أنحاء مصر من النهب على يد أصحاب المعالي. والآن، ماذا تبقى لنخوض به معارك المستقبل؟ هل لدينا خطة اقتصادية للخمسين عاماً القادمة؟ هل نعرف ما الذي سنفعله عندما يصل المصريون إلى 100 مليون فماً جائعاً؟ نحتاج أن نتأهل في بطولة حاسمة، اسمها مستقبل مصر الاقتصادي، من أجل أولادنا.

ط - من العوامل الهامة في التأهل إلى كأس العالم أن تفوز خارج أرضك. وقد تعودنا مؤخراً أن نخسر خارج الأرض. ينظر لنا أفارقة الشرق بتحفز، يُهمِلنا أفارقة الغرب والجنوب، يكرهنا أفارقة الشمال إلى حد القتل. يحتقرنا عرب الخليج وقد صرنا من العِمالة الغير مرغوب فيها، يستحل عرب فلسطين كل ما لنا كأنه لهم، لا يعرف الأوروبيون عنا إلا الأقصر والغردقة، ويضحك الأمريكان علينا وهم يتلاعبون بمقدراتنا. بطولة العالم الحقيقية هي أن تعيد مصر النظر في علاقاتها مع كل هذه الأطراف، بطولة العالم هي أن يحترمنا الرؤساء وتحبنا الشعوب، بطولة العالم هي أن يرانا الآخرون كما نحب نحن أن نرى أنفسنا.

والآن، إما أن نختار أن يعمل كل منا في مجاله لنتأهل في أي واحدة من هذه البطولات، وإما أن نجلس على الرصيف، ننتظر في خشوع، مباريات تأهل المنتخب الوطني لكأس العالم 2014. أيهما تختار؟

Wednesday, November 18, 2009

اتغلبي يا مصر براحتك


اتْغِلْبِي يا مصر ولا يِهِمِّك
ولا يفرق، ولا يحرَق دَمِّك
والله مسامحِك وباحبِك،
ولا فوز هيزيدك يا جميلة، ولا غُلب العالم هيقِلك

***

اتغِلْبي، وأنا برضه هأغني، ما هه ياما زمان فرَّحتينا
هأرقص لك بلدي في يوم فرحة، وأأقيدلِك نور وأنتِ حزينة
ما غلاوتك عندي بالدنيا، إن كان في الغُمه أو النُصرة
والحب ده ساكن مش نزوة، تتغلبي أرميه من البلكونة

***

اتْغِلْبِي يا مصر إن كان لازم
إن كان الحَظ مِعَدينا
إن وقفِت عارضة في طريقنا
أو شوطه فاتت في إيدينا
اتْغِلْبِي في غلطة صفارة، أو كره تايهة ومكارة
لو كان مش يومك، هنسامحك
ونكمل ... والصبر مالينا

***

خدي بالِك، السر هأقوله، خدي بالِك، خليه متصان
لو أقولك مسموح تتغلبي، أنا نفسي تجيبي ست اجوان
أنا نفسي تبقي المحروسة، وعروسة، وفرحك في سودان
أنا بس كتبت الموال، على أمل إنه في كل الاحوال
تعرفي إن القلب ملان، وإن الحب، يا بلدي يا غالية، بالمجان

(فقط للتاريخ: تمت كتابة هذه الأبيات قبل مباراة مصر والجزائر بيومين)

Wednesday, September 02, 2009

من دفتر حكايات الوطن: عبيد وسبايا



رحت أطلب الحكايات التي افتقدتها
رحت أبحث عن الوطن، لأجدني
فجاءت الحكايات لتزيد غربتي غربتين

حكايات الثلاثة ملايين أو يزيد من أطفال الشوارع
أجساد تنتهك أو تباع، وحوش في طور النمو
فتيات تُخَزن ليتبادل عليها الفتيان أدوارهم لأسابيع
وفتيان يُخطَفون لتستهلكهم كائنات مريضة ثم تلقيهم إلى الغربان

حكايات أربع أخماس فتيات القرى اللاتي تعرضن للختان
غارقات في الجهل وانعدام الوجود
يقبلن الاغتصاب والضرب والمرض، من الأب والأخ والزوج

حكايات الخمس الأخير، المثقفات بنات الذوات
الواقفات في طابور انتظار المخلص، ابن الحلال
ليملي عليهن كيف يعشن، ماذا يرتدين ومن يكن
الضائعات في وهم الاحتياج لرجل يكمل ذاوتهن الناقصة
المستترات من أجسادهن كأنها العقاب الذي حكم به خالقها

حكايات العقول التي أصابها الخمول من قلة العمل
عقول لا تقل ذكاءً عن سواها في كل أرجاء الأرض
لكنها تسطحت وأهملت وأصابها الجفاف
فصارت كل الحكايات سواء
وصار اليوم بلا هدف
وأصبح الحماس قاصراً على مباراة كرة، أو "أفيه" في فيلم نصف جيد
حكايات من يُقاد بدلاً من أن يقود، ومن يستهلك في شره، ومن لا يرى إلا نفسه
حكايات الفراغ، يحكيها من لا يعرفون عن الحياة إلا دوائرهم الضيقة، وصراعاتهم الطفيلية

حكايات الذين يتندرون على القهاوي
بحكايات عن الآخر، يأتون بها من شيوخ وقسس التطرف على قنوات التليفزيون
يضحكون في جهل، مفسدين في العقل والروح

حكايات الذين يكتبون عن عظمة السيد المبجل، من ليس مثله في تاريخ الوطن
وترانيم الاحتفال بقدوم الإبن المنتظر، إبن الأصول الذي سيكمل المسيرة

وحكايات من يبحثون في كل ركن عن نافذة للخروج
لاعنين اليوم الذي فيه وُلدوا على ضفاف هذا النهر
حالمين بيوم الخلاص، في أرض ما وراء البحار

نعم، هكذا حدثتني الحكايات وهكذا أحزنتني
ووجدتني أراجع أبيات نسيتها من زمن
تُحكى على لسان بشر الحافي

من سيخلصها غيرك أنت وصحبك
من يرفع هذا الكرب
وينقذ هذا الكوكب
غيرك أنت وصحبك

Monday, March 19, 2007

حكايات بلا عنوان

يجلس في منتصف قاعة شديدة الكبر، على مقعد معدني أحمر غير مريح على الإطلاق. أما القاعة نفسها فتشبه صالة مغطاة من صالات كرة السلة، غير أنها أكبر اتساعاً بمراحل، وليس بها أثر لمقاعد المتفرجين، بل مجرد حوائط عالية بلا لون، وسقف بلا إضاءة، وإن كانت القاعة نفسها مضاءة بشدة من مصدر غير معلوم...


لا يوجد أحد غيره على مرمى البصر، وإن كان يشعر بكل تأكيد أن القاعة شديدة الازدحام، يكاد يشعر بالضوضاء الرهيبة المنبعثة من ملايين الحوارات والضحكات والتأوهات التي لا معنى لها، وتصيبه هذه الأصوات بألم في الرأس وضيق في التنفس، حتى ولو لم يرتقي أي منها إلى أذنيه.


يسأل نفسه عن سبب وجوده، أو ربما عن الوحدة برغم وجود كل هذه الأصوات، لكنه يتراجع سريعاً عن السؤال الذي يعلم أنه بلا إجابة حاضرة. يفضل إذن أن يتساءل عن معنى أن يكون الإنسان مؤمناً بلا دين، عاشقاً بلا معشوق، وفناناً بدون عمل فني واحد... ألا يشبه ذلك جداً أن يكون الإنسان وحيداً في قاعة مليئة بالملايين الذين يتحاورون بلا صوت؟


ينهض من على المقعد المعدني الأحمر، ويحاول أن يرمي كرة في السلة الغير موجودة، لطالما أحب أن يقوم بذلك في أيام طفولته... يدرك الآن جيداً أنه لم يعد طفلاً، لكنه لا يتذكر كيف تمكن من أن ينمو دون أن يخرج من هذه القاعة أبداً... كيف ينظر في نفسه فيرى ما يشبه انفجاراً كونياً من التساؤلات – وهو بشكل ما يعلم أن التساؤلات ليست في الواقع إلا الوجه الآخر للمعرفة، والمعرفة هي الجسد المرئي للإيمان والإيمان هو الروح التي خلقها الحب – إذن من أين تأتي التساؤلات وهو لم ير في حياته جسداً يعشقه، ولا إلهاً يعبده، ولا كوناً ينفجر؟؟ إنما هي مجرد قاعة هائلة تشبه الصالات المغلقة، لها حوائط بلا لون وسقف بلا إضاءة...


تصيب الكرة السلة مرة أو مرتين، وتدور آلاف المرات على الحلقة المعدنية دون أن تقرر ما إذا كانت ستهبط أم ترتفع. يعود إلى المقعد ويحاول أن يقرر ما إذا كان الوقت قد حان لينهي هذا العبث برصاصة من سلاح وهمي. لا لم يحن بعد... فمازال ساكني القاعة الغرباء المتحاورون في صمت لا يوافقونه على الرحيل. يقول هذا لنفسه ويضحك، فلا يوجد أي سبب ليكون لهم القرار فيما يمكن أن يفعله برؤياه الخاصة، لكنه في الواقع ينتظر في بساطة أن يحبه أحدهم بما يكفي ليطلقه، إنه ينتظر أن ينهي عمله الفني المتوقف منذ ولادته وأن يتمكن أخيراً من وضع بعض الألوان على الحوائط الباهتة، ينتظر أن يصلي صلاة واحدة دون أن يسمع الأصوات في رأسه، ينتظر أن يتمكن من إدخال الكرة في السلة دون أن تلمس الحلقة أو تتردد ما بين الهبوط والصعود...


إنه ينتظر الآن على المقعد المعدني... هو ينتظر، والحوائط تنتظر، وربما أيضاً الحياة تنتظر...

Tuesday, July 11, 2006

لماذا مات أندرو؟


أندرو هو طفل في التاسعة، يتميز بابتسامة هي أجمل ما في الوجود، عيناه فيهما ذكاء وشقاوة لكن بلا خبث.
أندرو مصري قبطي، نشأ في عائلة تقدس معنى العائلة، وتمضي بها الأيام في سلام وقناعة.
أندرو يحب أن يخدم في الهيكل في قداس الجمعة، وكان هذا في الواقع آخر ما قام به، قبل أن يركب السيارة مع عائلته متجهين إلى العين السخنة ليقضوا الأجازة الأولى بعد أن أنهت أخته امتحاناتها.
أندرو... كان الوحيد الذي مات، عندما انقلبت السيارة عند الكيلو 88...
انتهت القصة، ومضى أسبوعان من الاهتمام بالمصابين، وبقت التساؤلات...

يقولون أن الموت هو قدرنا جميعاً، وأنا لا مانع لدي، لكنني بالتأكيد أشعر بالفارق ما بين موت الشيخوخة، الذي يبدو كما لو كان جزءاً لا يتجزأ من الحياة، وموت الطفل، الذي لا يمكن تسميته إلا "موت".

يقولون أن أندرو ليس الطفل الوحيد، وأنه على الأقل لم يتألم، وأنه قد قضى لحظاته الأخيرة بين من يحبهم، ولا يسعني بكل تأكيد أن أنكر ما تراه عيناي كل يوم في فلسطين والعراق وما أعلم أنه يحدث كل يوم في نصف بلاد افريقيا، بل وكل ما تؤكده الإحصائيات عما يتعرض له الأطفال في كل مكان بالعالم... لكن هذا لا يوقف التساؤلات بل يزيدها قسوة، فلماذا يموت الأطفال؟

يقولون أن الله يختارهم لحكمة لا نفهمها، فنحن لا نعرف ما الذي كانوا سيتعرضون له لو عاشوا، وهاهو أندرو قد قضى ساعاته الأخيرة يصلي فهل هناك من وقت أفضل؟ ويرفض عقلي بل وإيماني هذه الحكايات، فأنا لا أحب حديث الحكمة المخفية، لا لأنه خطأ، بل لأنه يُستخدم بعشرات المكاييل ليفسر كل شيء نقف أمامه غير فاهمين أو مصدقين ليصير الحجة العظمى لكي لا نبحث عن المعنى، فإذا كان كل شيء مقرراً مسبقاً لحكمة مخفية، أفلا يكفيكم أن نكون مسلوبي الإرادة، فتريدون أن نكون أيضاً جهلاء؟

ويقولون في المقابل أن لكل نتيجة يوجد أسباب منطقية، فهناك ربما من اختار أن يبيع كاوتش السيارة وهو شبه منتهي الصلاحية، وهناك ربما من لاحظ أن الكاوتش ليس بحاله جيده، ولم يهتم أن ينبه صاحبها، وهناك أخيراً قائد السيارة نفسه، الذي ربما كان يمكن أن يمسك بالمقود بعنف أكبر، أو ربما المشكلة فيمن علمه القيادة من عشرين عاماً... وهكذا يمضون في محاولة لإرجاع كل ألم في هذا العالم إلى خطيئة ارتكبها إنسان في يوم ما. وربما يكون كل ذلك صحيحاً بصورة ما، لكنه لا يكفي بأي حال من الأحوال لتفسير ما حدث، فكلنا نخطيء كل يوم في كل مكان بالعالم، لكن... ليست كل خطيئة تقتل طفلاً، فكأنني بالذي خلق العالم قد جعل تسعة أعشاره من الرحمة، والعُشر الباقي من العدل... فلماذا إذن يموت أندرو؟

ويقولون أخيراً: "لماذا تظن أن الموت هو أسوأ من الحياة، أو الحياة أفضل من الموت؟"، ثم ما هو الفارق بين من يعيش تسع سنوات ومن يعيش تسعين سنة؟ ألم يختبر كلاهما نفس الغنى الهائل بغض النظر عن الكم؟ ألا تكفي لحظة واحدة من الحياة لتحمل الحياة كلها إلى قلبك؟ وأصمت قليلاً، فأنا لا إجابات لدي، غير أنني أعلم – كما كان أندرو بالتأكيد يدرك ببراءته – أنني أعيش فقط هنا والآن، وأن ما تبقى من حياتي، لو كان لحظة أو مئة عام، لن يأتيني بمعنى جديد لا أستطيع أن أعيشه هنا والآن... لكنني أعلم أيضاً أنني لا أعيش لا بما يكفي ولا بما يصح، وأعلم أن اللحظة القادمة تأتيني على الأقل بفرصة جديدة، فلماذا لا يحظى الجميع بنفس الفرصة؟

هل هذه التساؤلات منطقية؟ هل هي من حقي؟ إنها على الأرجح لا تتعدى كونها نوع من البكاء المُفرغ من المشاعر، فقد كان علىَّ ألا أبكي ولم أفعل، أفلا أكتب إذن، حتى لو امتلأت الكلمات بأشباح الهستيريا؟



Thursday, May 11, 2006

من موقع الحدث: الصياد الأسود والفريسة البيضاء


هذه الصور تم التقاطها تقريباً ظهر اليوم الخميس من شارع رمسيس. تابعوا المراحل المختلفة، وديناميكية الحركة



ثم ابتسامة النهاية

Tuesday, April 04, 2006

من موقع الحدث: كسوف الشمس في السلوم - أو مصر-ليبيا رايح جاي



Solar Eclipse from Salum – Egypt

لا يوجد كلمات أو صور يمكنها أن تدعي مجرد محاولة نقل الدقائق الأربع غير العادية لرحلة الشمس وراء القمر، أو بالأحرى لرحلة القمر أمام الشمس... إنما يمكنني أن أحاول وصف رحلتنا نحن – إثنان من أهل المحروسة – لمشاهدة الحدث الأعظم

بدأنا من القاهرة يوم الثلاثاء 28 ظهراً، وعدنا إلى القاهرة في منتصف ليل الخميس، قاطعين 1500 كم بالسيارة في حوالي 60 ساعة معظمها من القيادة المتواصلة. وصلنا إلى مطروح نحو صلاة العشاء. لم أكن قد رأيت مطروح منذ ما يزيد عن 20 سنة، ولم أصدق ما رأيت...

فقد تركتها مجرد مجموعة من الشواطيء رائعة الجمال، ثم أرض ترابية صحراوية تعيش فيها الأبقار والجمال والماعز جنباً إلى جنب مع البدو، فوجدتها مدينة نظيفة جميلة التخطيط، شوارعها أسفلتية مليئة بإشارات المرور الأوتوماتيكية تخبرك كم من الثواني بقى حتى ينقلب لونها. ووجدت شوارعها مليئة بالسياح الأجانب من كل نوع، تحتفي بهم مجموعة من الراقصات الشعبيات ذات الوجه والقد الحسن، على أنغام موسيقى حسب الله الشهيرة. ووجدت المطاعم معظمها تحولت من أجل عيون الليلة إلى خمارات، ولم أصدق نفسي حينما وجدت رجال الأمن مبتسمين و– الأدهى – متعاونين.

كنت أكاد أظن أننا لسنا في المحروسة، لكنني عدت إلى طمأنينتي بسرعة حينما عرفت أن الحكومة اخترعت تذكرة ب100 جنيه لدخول السلوم، لرؤية حدث يمكن رؤيته بنفس الجمال من أي مكان على البحر قبل البوابة، وزالت دهشتي تماماً عندما أخبروني أنه – نظراً لدواعي أمنية – فإنه لن يُسمح بدخول أي سيارة إلى السلوم بعد السابعة صباحاً، رغم أن الحدث لا يبدأ إلا بعدها بأربع ساعات. لكن ما علينا، كنا سعداء ... وقلنا "ماشي".

وصلنا إلى السلوم في الواقع نحو الثامنة صباحاً، ولم يكن هناك مشكلة في الدخول، لكن كان علينا – لذات الدواعي الأمنية – ترك السيارة على مدخل السلوم، والتنقل بأتوبيس عام غرب الدلتا إلى داخل المدينة. ومرة أخرى تأكدت أننا مازلنا في مصر حينما ظهر في الأتوبيس "كمسري" أصر أن نقطع تذكرة بجنيه حق النقل، مع أننا دفعنا بالفعل مئة جنيه لنركن السيارة خارج المدينة !!! وكانت أجمل المفاجآت هي مقابلة مجموعة من الأصدقاء المدونين، لا نتقابل إلا نادراً في القاهرة، لكن ها نحن نتقابل في ليبيا – إلا قليلاً –. وهم بلا ترتيب اندهاش، أفريقانو، شموسة، ألف، مصطفى والست نعامة

كانت المواقع المُعدة لاستقبال الزائرين تنقسم إلى ما تحت الهضبة، وهو موقع لطيف أمام البحر – الغير مسموح بالاقتراب منه لسبب غير مفهوم – وما فوق الهضبة، حيث سيشرفنا سيادة رئيس الجمهورية، وهو تقريباً على الحدود مع ليبيا بالضبط، وهو موقع سيء للغاية، فلا هو يطل على البحر أو على أي منظر طبيعي على الإطلاق، والجو مشبع بالتراب والشبورة بما يمنع الرؤية الجيدة. وعليه، فقد قررنا أن نستفيد نحن أيضاً من فهلوتنا المصرية، وأقنعنا سائق الأتوبيس أن ينزلنا في موقع فريد وسط الهضبة، حيث نجلس بين الصخور، وتحتنا البحر، ويميننا المدينة، وفوقنا الجبل. وأدعي أنه أفضل موقع على الإطلاق استمتعنا به أنا ورفيقي وحفنة من الأجانب الذين جاءوا وراءنا مؤمنين بفهلوة المصري العجيبة. وكان وجودهم حماية عظيمة لنا، عندما حاول مجندو حرس الحدود طردنا – لأننا غالباً فرقة صاعقة من الأعداء – ادعينا عدم الفهم، ورسمنا البلاهة على وجوهنا حتى تركونا وهم يسبوننا "بالعربي" الذي لا نفهمه.

بدأ الكسوف في موعده تماماً – وهو من الأشياء القليلة التي تبدأ في موعدها – وبدأت الشمس تتآكل قطعة قطعة، فيتغير شكلها من تفاحة مقضومة، إلى قارب، إلى موزة... والضوء موجود لكنه يلمع، والجو أبرد قليلاً لكنه محتمل، والمد يتحرك خطوة خطوة نحو الشاطيء... ثم فجأة – أقول فجأة وبدون سابق إنذار رغم أننا كنا نعلم – أظلمت الدنيا... وحدث كل شيء بسرعة عجيبة... صار من الممكن النظر مباشرة إلى الشمس، لترى قرصاً أسوداًً يحيط به هالة بيضاء ناصعة لا تنير إلى مكانها، والدنيا ظلام من حولك، لكنها عند الأفق من كل ناحية يخطها مساحة حمراء منيرة بعض الشيء، والبرد أصبح واضح المعالم، والطيور التي لا أراها في العادة رأيتها تطير في الأغلب عائدة إلى أعشاشها مفزوعة، والناموس صوته من حولي شديد الوضوح، يختلط مع صوت مآذن الجوامع المكبرة المرتلة صلاة الكسوف، وصوت زغاريد نساء البدو اللاتي رأين في الحدث سبباً للفرح، ويُضاف على كل هذه الأصوات تكتكات كاميراتي الثلاث التي تُسابق الزمن لتسجيل الحدث.

دقائق أربع، مرت كثوانٍ ثلاث... ثم عاد كل شيء إلى سابق عهده، وبقت الذكرى لا تنمحي. وبقى انتظار مُمل ل21 سنة قادمة، حينما تأتيني أميرتي الصغيرة لتستأذني أن تُسافر مع أصحابها لرؤية الeclipse في وادي الملوك... ووقتها، ربما أوافق!!

Saturday, March 18, 2006

عندما يولد الحب في الظلام

كيف تفهمني ... أيها الغائب عن أسرار قلبي
كيف تراني؟؟

أتُراك تعتقدني أعيش في قالب من الصخر، بل أنا الصخر ذاته؟ فلا الموج الهائج يفتت عضدي ولا النسيم بقادر أن يهز سلامي...
أتظن أنني أتيت من عالم مثالي جاهل، لا يعشق فيه الإنسان خطيئته ولا يثور فيه القلب على مُقَدَرات الزمن
أصور لك خيالك الساذج، أن من ارتفع لا يسقط، ومن رضع الحكمة لا يمكن أن يأخذ بكيانه الجنون

أسألك أيها الأحمق... من تراني؟
إن لم أكن أنا الإله، ولم أكن أنا الحجر... أفلا يفترض هذا بالضرورة أن ما يحق لك، يحق لي
وتكون بالتالي كل أوهامك المثالية عني هي حجر ثقيل ربطته في عنقي يوم ألقيتني من مركب واقعك

ولئلا تشعر بالذنب، دعني أوضح أنني مسئول بالضرورة عن هذه الأوهام...
فأنا الذي غذيتها يوماً بعد يوم...
فهل ترى عيونك أخيراً كل الأقنعة التي لبستها واحداً فوق الآخر؟
وهل تمد يدك وتنزعها عني... فأتألم ثم أفرح ...
ثم أندم ثم أفرح ثم أموت ثم أولد من جديد

Friday, February 17, 2006

البحث عن الأنا الآخر

أنا غائب عن التدوين... هذا لا فصال فيه
لكن السؤال... هل أنا أعيش، أم أنني غائبٌ عن الحياة؟

أنا واقفٌ – وكأنني منذ الأزل وإلى الأبد - في مفترق حياتي، بين الماضي والحاضر والمستقبل...

في الماضي يوجد عشر سنوات من الغرق في عصارة الاكتشاف. عشر سنوات من العشق والفن والفلسفة والإيمان والكآبة التي اكتشفتها وصنعتني.

وفي الحاضر يوجد خمس سنوات من النجاح في كل شيء، والسعادة التي تستحق صلاة شكر يومية. خمس سنوات من عمل أستمتع به، وزوجة أحبها، وإبنة أبيع العالم كله من أجل ضحكتها.

وفي المستقبل يوجد سنوات لا أعرف عددها في حياة لا أعرف شكلها، لكنها رسالة تناديني مثل حوريات البحر الأسطوري. سنوات من البحث والدرجة العلمية والنحت في أحجار الوطن العتيقة من أجل كتابة تاريخ جديد.

وأنا بين طرقاتي الثلاث عاجزٌ عن الحركة، فاقدٌ للنطق... أرفض التنازل بأي شكل من الأشكال عن أي ملليمتر من حدود الماضي والحاضر والمستقبل، فأنا رسمت هذه الحدود بكل الليالي التي لم أنمها، وكل السنين التي اختصرتها بلا ندم من صحتي لأنني قررت أن حياةً على الهامش هي حياة لا تستحق أن تُعاش.

وأنا في الوقت نفسه أُدرك عن يقين أن مملكة رغباتي أوسع من حدود قدرتي، وأن معركتي خاسرة لا محالة، فلا السن يسمح، ولا العرف يسمح، ولا ساعات اليوم تسمح، ولا – بكل تأكيد – جرأة المخاطرة في قلبي تحتمل.

فما الحل إذن في هذه الدائرة المفرغة؟ سوف أستمر في مقاومة الاختيار الذي هو موت، حتى أموت............

Friday, January 06, 2006

عندما تذهب إلى الكنيسة


عندما تذهب اليوم إلى الكنيسة...
لتحتفل بميلاد المسيح
لا تنسى أن تشعل الشموع، وتضم يديك على قلبك وتصلي...
من أجل كل حجاج بيت الله الحرام، الراكبين البحر والجو والبر... نحو مكة والمدينة
من أجل كل السودانيين المرحلين في القطارات إلى بلادهم الفقيرة، وهؤلاء المختفين في الشقوق من عيون الشرطة
من أجل شارون الراقد في غيبوبته، بين عشرات لا يفكرون الآن إلا في مصالحهم من بعده
من أجل طفلة تركية ماتت اليوم بعدوى إنفلوانزا الطيور
من أجل أيمن الظواهري الهارب بين الجبال يخطط لقتل المزيد من الأمريكان، ليدفعهم لقتل المزيد من المسلمين
من أجل منتخب مصر لكرة القدم...
من أجل مصر... بجمالها، وقبحها، وضميرها، وفسادها، وحريتها وديكتاتوريتها وطيبة قلب وغباء معظم الساكنين فيها
عندما تذهب اليوم إلى الكنيسة...
لا تنسى أن تصلي من أجلي...
فأنت اليوم جندي، وهذا نشيدك: المجد لله في الأعالي... وعلى الأرض السلام... وبالناس المسرة

Monday, December 05, 2005

أسراري التي لا يُنطَق بها


حينما كنا صغارا ...اعتبرنا
خط الأفق ملعبنا
وكل الطرق معبرنا
كم حلمنا وتعاهدنا وطرنا
ومن بالغد يخبرنا؟
قتلنا الغد بالقبل...وبالأحلام والأمل
وصبرنا...فلم ندري كم كبرنا
وصبرنا...فتغيرنا وثرنا
على كل مآثرنا

(من قصيدة ألف ليلة وليلة – عشرون عاماً من الحب – لصاحب المدونة)
كل الحقوق محفوظة

اضغط على الصورة للذهاب إلى المصدر - إدوارد مونش 1907

Thursday, November 24, 2005

إشكاليات على طريق المصالحة الدينية

إذن، مرت تقريباً مرحلتان من ثلاثة في انتخابات البرلمان المصري. والنتائج أقل ما توصف به أنها غير مبشرة بالخير، من حيث حصول الحزب الحاكم على الأغلبية المطلقة، وانهيار المعارضة السياسية، وصعود البديل الأخطر متمثلاً في الإخوان المسلمين. لكن... وقبل أن يأخذنا الحوار عن تداعيات الانتخابات – وهو حوار أحب أن أؤجله إلى ما بعد نهاية المرحلة الثالثة – أحب أن نكمل حديثاً قد بدأناه (هنا وهنا) عقب أحداث محرم بك، عن المصالحة الدينية في مصر.

عندما نتصدى لحل مشكلة مثل "المصالحة الدينية" في مصر، نصطدم فوراً بمجموعة من الإشكاليات التي جعلت هذه القضية أكثر تعقيداً في مصر عنها في دول أخرى، وفي هذا الزمن عن أزمنة سابقة.

وأظن – اختصاراً – أنه ينبغي البدء بثلاثة إشكاليات حادة على درجة عالية من الخطورة: المرجعية الدينية، موروث القهر، والتخلف السياسي

المرجعية الدينية
خلال الثلاثين عاماً الأخيرة، ولأسباب سياسية (انهيار القومية العربية، انهيار الحلم الاشتراكي...)، واجتماعية/اقتصادية (الانفتاح الاقتصادي، أموال الخليج العربي...) وأخرى، تحولت المرجعية الأساسية عند جموع الشعب المصري إلى مرجعية دينية (باستبعاد المرجعية المادية الأقوى تأثيراً بالطبع، والتي لا فِكر لها ولا هدف أبعد من مجرد اشباع الذات). فصار انتماء المواطن الوحيد - بعد الرزق - هو دينه وأحكام دينه. وصار من الطبيعي اليوم أن نعمم هذا الوصف على جموع المصريين، بغض النظر عن الديانة والطبقة الاجتماعية، فما بدأ عند الطبقة الوسطى-المنخفضة المسلمة، ما لبث أن امتد وأثار ردود فعل حتى وصل إلى الطبقة المرتفعة المسيحية، وكل ما بينهما من طبقات عن أصحاب المِلَتين.

وامتد هذا التيار حتى اقتحم كل مكان كان في الماضي مُحرماً عليه دخوله – لأسباب ترتبط بطبيعة هذه الأماكن -، فصارت المرجعية الدينية هي بشكل أو آخر النمط السائد عند قادة الجيش والساسة والصحفيين والفنانين والرياضيين وغيرهم.

وحتى لا ندخل في جدل لا خروج منه، تعالوا نتجاوز السؤال التقليدي عما إذا كانت هذه الموجة المزعومة من "التدين" هي شيء إيجابي أو سلبي، ودعونا نتفق على حقيقة أكثر بساطة بكثير، وهي أن تسلط المرجعية الدينية إلى هذا الحد يُمثل صعوبة واضحة في طريق "التعايش الديني". فنحن إذاً في موقف أصعب كثيراً من بلاد تعيش أغلب شعوبها على مرجعيات فكرية وفلسفية مختلفة، وذلك لأسباب ثلاثة: الأول هو سهولة طرح الحوار الديني في هذه المجتمعات، طالما يتعامل الناس أصلاً مع الدين باعتباره جزء من مرجعيتهم وليس كلها. السبب الثاني الذي يجعل حالتهم أسهل هو أن التعدد يخلق نوع من الحيرة التي تزيد اجبارياً مساحة القبول، وهي مساحة تقل جداً إن كان الأغلبية الساحقة من الشعب ينتمون إلى طائفتين فقط هم المسلمين السنة والأقباط الأرثوذكس.

أما السبب الثالث فهو مرتبط بطبيعة المرجعية الدينية نفسها، والتي تختلف جذرياً عن المرجعية الفكرية أو الفلسفية. فالدين بطبيعته لا يحتمل الكثير من التسامح مع وجود الآخر، وهذه حقيقة لا يسعنا إنكارها مهما كررنا من آيات وتفسيرات القبول والتعايش السلمي، فهذه كلها تقع على هامش الاعتقاد، بعكس كل مفردات التفرد و"الصواب المطلق" والنرجسية المقدسة، والتي تسكن قلب كل دين منذ نشأته الأولى.

وهذه المفردات لا يمكننا رفضها أو مقاومتها، إنها ملتصقة بطبيعة الدين مثلما ترتبط بالأم مشاعر تفضيل أبناءها على كل أطفال العالم، ونحن مع ذلك لا نتهم الأمهات بالأنانية أو عدم العدل. فلا يوجد – بحسب معلوماتي – دين واحد لا يقوم على فكرة أن "الإله" يطلب من عباده إتباع هذا الدين دون غيره.

النتيجة إذن باختصار، أننا أصبحنا نعيش في مجتمع من قطبين يميل كلاهما نحو المزيد من الالتصاق بدينه، وتغليب هذا الالتصاق على كل أشكال التفاعل الأخرى مع الحياة، مما يُعقد نسبياً من محاولة خلق حياة مشتركة بين الطرفين. وعندما نقول حياة مشتركة نعني بها حياة حقيقية مليئة بالحب والأحلام وتبادل الخبرات والتعاضد... الارتواء من الآخر، ومشاركته في جزء من أرواحنا وغنى حياتنا... عندما نقول حياة مشتركة... فإننا نعني في الواقع "حياة واحدة".

هل نقترح عليكم أن تقللوا من تدينكم لتتمكنوا من اختبار هذه الحياة الواحدة؟؟ ليس لنا قِبل باقتراح كهذا على أية حال. لكنني أتصور أن المشكلة ليست في التدين في حد ذاته، بل في كونه يمثل القيمة الوحيدة "المحترمة" في حياة معظم المصريين، بجانب السعي المحموم للقمة العيش، والاستهلاك التافه لتسالي العصر الحديث. فإذا ظل الدين هو المجال الوحيد الذي نحترم فيه إنسانيتنا، فستظل "حياتنا الواحدة" هي مجرد خطاب إعلامي لا حقيقة فيه.

هذه إشكالية واحدة... وتبقَّى إثنتان: موروث القهر، والتخلف السياسي... ولهذا الحديث بقية.

Saturday, October 29, 2005

شهادتي عما يسمونه مسرحية محرم بك

أخيراً شاهدت المسرحية المزعومة
وبرغم كل قناعتي السابقة بأن المسرحية ليست هي الموضوع مطلقاً
وبرغم أن قناعتي تلك لم تتحرك قيد أنملة بعد مشاهدتها
إلا أنني رأيت من واجبي أن أشاهدها
وأن أعلق عليها مرة واحدة، وهو اهتمام لا تستحقه...

الكلمة الأولى عندي هي "أنا أعتذر"

أعتذر كواحد من أقباط مصر، لم يوكلني منهم أو عنهم أحد.
أعتذر عن التحيز المستفز، والتجني السافر في البحث عن العورات.
أعتذر عن المغالطة، وتعميم ما هو استثناء، وتكبير ما هو هامشي، وتجاهل كل ما هو حسن وصالح مهما عَظُم لمصلحة ما هو سلبي مهما قَزَم.
أعتذر عن التسطيح واختزال العالم في أبيض وأسود.
أعتذر عن اغتصاب حق النقد بأيدي من لا يملك – بحكم الانتماء - ولا يستحق – بحكم الموضوعية – فصار العمل كله غريباً في أرضٍ غريبة.
أعتذر عن الغباء في خلط الجد بالهزل، والتخلي عما تمسك به بني البشر منذ فجر التاريخ – مهما اشتدت العداوات – ألا وهو احترام مقدسات الآخرين وعدم المساس بها في بالفعل أو القول أو حتى التلميح غير المباشر.

وأعتذر أيضاً كمصري وكمسرحي ولو حتى كمجرد مشاهد
أعتذر عن تجاوز حق الجيرة التاريخية والمصير المشترك.
أعتذر عن التهاون في مقدرات وطن.
أعتذر عن الفكرة الساذجة، والدراما المفتعلة، والشخصيات الكرتونية، واللغة الركيكة، والخلفيات الصوتية المبالغ فيها، والسينوجرافيا القبيحة.
أعتذر لأن من صنعوا هذا "الشيء" نسبوه إلى المسرح، وكان الأسهل لهم ولنا أن يكتفوا ب"اسكتش" لا تزيد مدته عن خمس دقائق...

باختصار شديد ... أعتذر عن هذا العمل

أما الكلمة الثانية عندي فهي مجموعة من الملحوظات التي قد لا تغير مما سبق شيئاً، ولكنها قد تساهم في وضع "الخطأ" في حجمه الطبيعي:
- العمل يدور كله في فلك جماعة إسلامية متطرفة، فنحن لا نرى أي نموذج آخر للمسلمين. وهذا – بقدر ما يمثل سطحية النص – إلا أنه يترك مساحة للتسامح مع ما يُقدم باعتباره يصف من يفسرون الدين على هواهم، فلا يصير دينهم هو دين أمة الإسلام إلا فيما ندر.

- الكثير مما يُقدم مأخوذ عن أعمال تلفزيونية وسينمائية تهاجم التطرف. ورغم أن ذلك لا يبرر عرضه داخل الكنيسة إلا أن الكثير من محتواه ليس جديداً على أي حال.

- الجماعة نفسها مُقسمة إلى مجموعتين، الأمير ومعاونه، وكل باقي الأفراد. والغريب – بل وأقول أنه إيجابي إلى حد ما – هو أن كل الأفراد يجادلون أميرهم، ويسخرون من أحكامه المتطرفة، ويتبجحون على تصرفاته، ويرفضونها. ويذكر أفراد الجماعة الكثير من آيات القرآن السمحة وأحكامه العادلة ما يرد على كل ما يقول، ولا يغلبهم هو إلا باعتباره الأمير الذي تجب طاعته. وحين يهاجم مساعد الأمير بطل المسرحية المسيحي، لا يجد من يدافع عنه غير صديقه المسلم.

- نموذج الفتى المسيحي الوحيد في المسرحية هو سطحي وساذج، فهو يقرر الأفضلية بين الدينين من منظور مغرق في الأنانية، فهنا الوعود بالمال والزواج والعمل – وهو ما لا يعبر عن الإسلام بأي حال – وهناك رضاء الأب والأم والأخت – وهو ما لا علاقة له بالمسيحية -. وبرغم أن هذا لا يدل إلا على الغباء الدرامي، فهو يُخفف كثيراً من وقع أي شيء يتوصل له هذا الحَكَم العبقري. فلا يُجِّل الإسلام شيئاً انضمام هذا الحقير إليه دون اقتناع، ولا يهينه في شيء الرجوع إلى أهله في مشهد تراجيدي مثير.

- في أثناء تقديم الممثلين بعد المسرحية، يشكر الأب الكاهن كل من ساهموا في العمل، ومن ضمنهم كورال الكنيسة من الأطفال، ويقول لهم: "هناك مكافأة صغيرة في انتظاركم"، فيضحك الأطفال منه قائلين: "تمر"، وهم يشيرون بذلك إلى مكافأة الأمير لجماعته على أعمالهم الحسنة. ويرد عليهم الكاهن قائلاً: "الأمير يوزع التمر، وأنا أوزع البلح". هاهاهاهاهاها. إنه من المثير للسخرية والتشفي أن المصائب تنقلب على أصحابها، فالعمل الذي أرادوا به خلق صورة كاريكاتورية عن أمير الجماعة، انقلب في عقول الأطفال إلى صورة كاريكاتورية عن كاهنهم نفسه... إنها حكمة القدر

إذن، في رأيي الشخصي، إن العمل – برغم كل مساوئه – لا يرقى إلى مرتبة "الإهانة الجادة" للدين الإسلامي. إنه أصغر وأقل من ذلك بكثير. وظني أنه قد يؤثر بقوة على مشاعر البسطاء – الذين هم أغلبية شعبنا العزيز – لكنه غير قادر أن ينال بأي حال من مشاعر مشاهدين أكثر عمقاً مهما بلغت درجة تدينهم.

ولأعقد لكم مقارنة بسيطة، فمقدار "الإهانة" في هذا العمل الساذج لا تُقارن – في رأيي الشخصي – بالحوارات الحقيرة على ال Pal Talk في الحجرات التي تهاجم الإسلام وتلك التي تهاجم المسيحية، ولا تُقارن بكتب المناظرات الشهيرة التي ينتصر فيها شيخٌ على قس وقسٌ على شيخ، ولا تُقارن ببعض البرامج الدينية على الفضائيات، والشرائط التي يُدمنها سائقو التاكسي وما إلى ذلك من تجليات الإهانات الدينية الجادة.

إن من استطاعوا أن يُحَولوا هذه المسرحية إلى فتنة طائفية قد أشعلوا النار بمستصغر الشرر، رغم أن الساحة لا تخلوا من براكين حقيقية يُصر الجميع على تجاهلها.

هذه شهادتي عن المسرحية الشهيرة، ورغم أن الحديث عن المصالحة والمصارحة لم ولن ينقطع، إلا أنني أعتبر أن وضع هذا العمل في قلب هذا الحديث المهم هو شرف لا يستحقه، وتشتيت لسنا بحاجة إليه...

اللهم بلغت... اللهم فاشهد

Thursday, October 27, 2005

مبادرات المدونون من أجل المصالحة والمصارحة

Call for Peace & Openness



دعوة للصوم، معاً أمام الله...لنصُم جميعاً - مسلمين و مسيحيين - يوم الأثنين القادم 31/10/2005 من الفجر وحتى غروب الشمس، وليكن صومنا المشترك تقدمةً أمام الله من أجل وطننا عملاً روحياً يجمعنا نقابل به أعمال الكراهية و التفرقة ولنكسر صومنا معاً، يبحث المسلم عن مسيحي يفطر معه و يفعل المسيحي كذلك.


هيا نقف معاً أمام الله من أجل الوطن!!!


(الدعوة يتباناها عدد من المدونين المصريين. اضغط على الصورة أيضاً لتقرأ أو تعلق أو توقع على بيان المدونين المصريين)

Wednesday, October 26, 2005

ما زرعناه في العقول ...نحصده في محرم بك

أعود أخيراً بعد أسابيع من الغيبة المبررة، بعضها مقصود، وبعضها اضطراري لأسباب السفر والمرض...

والحق أني كنت أنوي أن أبدأ بحديث شخصي، يزيح عن نفسي بقايا الأيام التي قضيتها متأملاً في حال حياتي خلال هذه الأسابيع، لكنني أعود وهناك ألم جديد في قلب الوطن...

يتساءل البسطاء في بلدي: هل قَصَدت الكنيسة المصرية إهانة الإسلام في تلك المسرحية المزعومة؟ وكيف نُعاقب إذاً كل المسيحيين في مصر على هذه الفِعلة الشنعاء؟؟

وأرى أنه في قلب تساؤلات البسطاء دُفِنَت عشرات الحقائق الكارثية عن مجتمعنا الذي حولناه بأيدينا لقنبلة موقوتة. وإليكم بعض هذه الحقائق:

- التكوين العادي للرجل العادي في مصر يُكرس التفرقة وعدم فهم الآخر إلا على مستوى سطحي أحمق. هذه حقيقة. ماذا تتوقعون إذاً من مجموعة من الشباب يقومون بعمل فني ساذج عن الإرهاب أو غيره... أي قدر من نضج التناول وعمق التحليل نتوقع من شباب تعمدنا أن نُسَطِح رؤاهم وأن نكبت تساؤلاتهم وأن نحرمهم من أي فرصة لتكون "إبداعاتهم" على مستوى المسئولية؟؟ هل تظنون أن هذه المسرحية – إن وُجدت فعلاً – هي قمة التجليات؟؟ أُقسم أننا لو حاولنا استقصاء رأي كل الشباب المصري – بمسلميه ومسيحييه – عن رأيهم في الدين الآخر، لوجدنا ما لا يقل عن 80% من الإجابات كافياً لقيام ألف مظاهرة على شاكلة مظاهرات محرم بك. ولو كان الإخوة الأفاضل الذين قاموا بنسخ الCD – مع احتمال تحريفه – وتوزيعه، لو كانوا على قدر أعلى من الكفاءة والفاعلية لغرقت أجهزتنا بمثيلات هذه المسرحية ما لا يمكننا تتبعه. هذا ما زرعنا، وهذا ما سنحصد. وكل من ظن أنه بهذا التكوين المتخلف يصنع حسناً، عليه أن يعيد النظر.

- نحن مجتمع لا يفهم معنى "الجدل"، فلا نختلف أبداً دون أن نتشابك ونتراشق ونكره. كلنا نغضب حين نختلف، وما يفرقنا عن بعضنا البعض هو قدرة كل شخص على احتمال الغضب. فمنا من تقف حدوده عند "الأهلي والزمالك" ومنا من يتحمل الغضب حتى نخوض في "الدين"، وهو عندنا قُدس الأقداس الذي لا يُسمح فيه بجدل. واسمحوا لي أن أكون أكثر وضوحاً: إذا كنت لا أقبل على أي جماعة من المسيحيين أن يختاروا انتقاد الممارسات أو الأفكار الإسلامية موضوعاً لمسرحيتهم، فأنا في الوقت ذاته أحب أن أحفظ لهم حقهم في أن يقيموا مسرحية لانتقاد الممارسات التي حولهم في الكنيسة، وأن أحفظ لإخوانهم في الجامع المقابل حق انتقاد ما لا يعجبهم في ممارسات دينهم، وأن أحفظ لكلاهما سوياً حق انتقاد كل ما يحدث في هذا الوطن. ولكن ما يحدث بالفعل هو أن كل هذه الحقوق معدومة وممنوعة، ما عدا هذا الحق الأخرق في انتقاد الآخر. ومرة أخرى، هذه هي السبل التي فتحناها، وهذه هي التي يسير فيها الجميع.

- نحن مجتمع أغلبه من القطعان، ولا ينقصه الذئاب. إن كل أحداث محرم بك تُشير بشكل أو آخر إلى مجهود مُتعمد من قِبل جماعة ما من خارج الإسكندرية، لأسباب قد تبدو انتخابية. وبغض النظر عن التفاصيل، فما يُروعني حقاً في هذا المشهد، هو السهولة التي تم لهم بها مقصدهم. لم يكن المتظاهرون – بحسب شهادة الشهود – من الغوغاء مدفوعي الأجر كما يحدث في بعض الأحيان، بل كان منهم كثير من المخلصين لما ظنوه قضية. كانوا يتدافعون نحو الأمن صارخين "الله أكبر" وكأنهم يقدمون أنفسهم في "الحرب المقدسة" ضد الصليبيين. ومُعظم هؤلاء – إن لم يكن كلهم – اعتمدوا في "غضبهم المقدس" على حكاية لم يتأكدوا من صدقها، ومسرحية لم يروها رؤى العين. لم يتساءل أيٌ منهم عن المصدر والتوقيت، واكتفوا بالتصرف بحسب ما فرضه عليهم حماس الموقف اللحظي. أنا لا ألوم هؤلاء، وكلي رجاء ألا تسقط تبعات هذه الأحداث على رؤوسهم، فهم في النهاية مجرد مسلمين بسطاء يدافعون عن كرامة دينهم. لكن ما الذي نتوقعه من مجتمع بنيناه من "التابعين"، فتفرقت قطعانه وراء الرعاة، والذئاب المرتدين ثياب الرعاة. نحن ربيناهم، ونحن الآن نفقدهم.

إن الاعتراف المبدئي بمشكلتنا الثقافية هو أبسط ما يتطلبه السير على طريق الحل. وهذا الاعتراف لن يحدث، لأن مصر كلها ليس فيها زعيم سياسي أو ديني يستطيع أن يعترف بأن أغلبية شبابنا سطحيون، ومُغيبون ثقافياً، وضعاف الشخصية، ويحترفون رفض الآخر. وأن مشكلتنا الثقافية هي ببساطة نتيجة تكوين خاطئ على مدى عقود من الزمان.

هل هناك مخرج من هذه الغُمة؟؟
إن تغيير واقع الوعي المصري هو عمل لا قِبَل لجماعة واحدة بالنهوض به، إنه أقرب إلى مبادرة "محو الأمية"، وإن كان أصعب وأكثر تعقيداً، حيث أنه يُخاطب منطقة أكثر إظلاماً في العقل المصري، ويتقاطع مع أيديولوجيات ومصالح يرعاها المثقفون والزعماء، وهم الرعاة المطلوب منهم قيادة الطريق نحو الحل. غير أن المدخل – في اعتقادي الشخصي – ينبغي أن يعتمد بشكل ما على الحركة "العنقودية"، حيث تقوم كل بؤرة من المثقفين بمحاولة تغيير واقعها الأقرب، وتطلب من هؤلاء نشر الرسالة للمستوى الأبعد وهكذا. لكن من أين يبدأ الطريق؟؟ وكيف نتخطى حالة "الإنكار" Denial التي نعيش فيها، فنواجه أنفسنا، ونبدأ في التحرك، من أجل مستقبلنا لا حاضرنا الأقرب؟؟؟



Monday, October 03, 2005

الموت في سبيل الله


الموت في سبيل الله هدف جليل... لو وضح السبيل
لكن تعالوا نتعلم الحياة
الحياة في سبيل الله
هذه الكلمات الرائعة من مقدمة برنامج "حجر الزاوية" الذي أتمنى أن أتابعه في رمضان
وأعجبتني أيضاً مقدمة برنامج الرسول الإنسان
(وبين قوسين، رأيي الشخصي أن الدعاة العرب يصيرون يوماً بعد يوم أكثر نُضجاً من الدعاة المصريين، وأكرر أنه رأيي الشخصي)
وكل عام وأنتم جميعاً بخير

كريستيان فان نسبن... أبي الروحي

قليلون هم الأشخاص الذين تقابلهم مصادفة، في لقاء لا يفترض أن يدوم لأكثر من عشرين دقيقة، فيدوم لأكثر من إثني عشر عاماً، ويغير لقاءهم من حياتك وحياة كل من حولك طوال هذه السنوات وبعدها كثير…

قليلة هي اللحظات التي يذكرها الشخص بمنتهى الاعتزاز والفخر، ولا يكون هو فيها صاحب دور البطولة، بل مجرد مُشاهد، منحته الظروف فرصة أن يكون موجوداً، في عصر يعيش فيه رجل عظيم…

مازلت أذكر لقائي الأول بالأب/كريستيان فان نسبن توت سيفينار Christian Van Nispen tot Sevenaer، وكنت وقتها في أولى سنوات الجامعة، وكنت أبحث عن نموذج لإنسان يعيش حياته بصدق، لأقوم بعمل حوار معه لصالح مجلة أحد الأنشطة. واقترح عليَّ أحدهم أن يكون الحديث مع الأب/ كريستيان، مُعلقاً: "
هذا الرجل علامة رجاء". وقد كان أن طلبت الحديث، واتفقنا أن نلتقي في مدرسة الجزويت برمسيس.

كنت في الانتظار، حينما ظهر الرجل، هو في حوالي الستين من عمره، رمادي الشعر، ضحوك، ويركب "البسكلتة"!!! نعم، أتى الرجل من حيث يقيم في شبرا إلى رمسيس راكباً دراجة. وعلمت فيما بعد أنه – من حيث كونه هولندي الأصل – يستخدم الدراجة للذهاب إلى أي مكان في القاهرة، وهو يعلق على ذلك ضاحكاً: "العجلة من الشيطان، علشان كده بنركبها وندوس عليها".

الأب/ كريستيان هو راهب يسوعي هولندي، أتى إلى مصر سنة 1960 تقريباً، وعاش فيها أكثر من نصف عمره. عندما تقدم للرهبنة، اختار آية صغيرة غير ملحوظة من الإنجيل لتكون هي شعار رسالته في الحياة: "أعطانا خدمة المصالحة"... وعلى ذلك، فقد جعل حياته خبرة مُعاشة للمصالحة، ما بين الناس، والطوائف، والأديان. حصل على الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية، وصار مع السنين أحد الوجوه المسيحية النادرة المقبولة من جميع الأطراف في مجال الحوار بين الأديان، كما لعب نفس الدور تقريباً في الحوار بين الطوائف المسيحية. أسس مع أصدقاؤه من المسلمين – وكان منهم وزير الأوقاف وشيخ الأزهر الأسبقين – جماعة الإخاء الديني، ثم جمعية عدالة وسلام، وذلك في محاولة لخلق مساحة من المحبة والمشاركة بين الباحثين عن الله المحبة – كلٌ في دينه وعلى طريقته – .

عندما يتحدث الأب/كريستيان إلى تلاميذه – وهو قد درَّس الفلسفة (مادة البحث عن الله) والإسلاميات على مدى عشرات السنين، وفي العديد من المؤسسات – يقول لهم: "
ينبغي أن يكون لنا لغة واحدة نتحدث بها، فأنا أحاول قدر الإمكان أن يكون حديثي عن المسيحية والإسلام واحد سواء كنت أتحدث إلى مسيحيين أو مسلمين، وهذه المحاولة تجعلني أفهم الآخر بأسلوب أفضل".

نشر الأب/ كريستيان بعض الكتب، والعديد من المقالات، وحاضر عشرات وربما مئات المرات في موضوع قبول الآخر. وآخر كتبه سماه "مسيحيون ومسلمون... معاً أمام الله"، ويطرح فيه فكرة الصلاة باعتبارها مساحة للمشاركة والتقارب بين أبناء الدينَين. وهو يعلم جيداً أن هناك الآلاف من الذين يفضلون البحث عن مساحات الاختلاف، ويتمسك في وسط كل ذلك بمعنى "
الرجاء". وقد قال لي في أحد المرات: "عندما أموت، أتمنى أن تكون الكلمة الوداعية في ذلك اليوم عن الرجاء.

كل ما سبق هو بعض الحديث الرسمي عن هذا الأب الحبيب، أما على المستوى الشخصي، فلا أظن أن ما أشعر به تجاهه يمكن التعبير عنه. فمنذ ذلك اليوم الذي التقيته فيه، وكنت وقتها أمشي على الأرض بخيلاء من لا ند له، وأعيش وهم العمق والتفلسف، وكنت وصحبي نطلق على جماعتنا وصف "الفريق الأعظم"، ونرى في أنفسنا مثالاً للأرستقراطية الفكرية... ثم قابلته، وأدركت كم نحن صغار. وطلبت منه أن يعطينا بعضاً من وقته واهتمامه، فأعطانا حباً مازال يجمعنا على ابتسامة، وسلاماً مازال يظللنا، وما لا يُحصى من اللحظات العميقة الجميلة، التي ملأها بما له من عمق، وبالرجاء المُعدي، وزينها بخفة ظل قَل أن تتأتى لرجل كرس حياته لمعركة تظنها الأغلبية خاسرة لا محالة.

Christian


لا يمكنني أن أدَّعي أنني اقتربت حتى من وصف الفخر الذي أشعر به، عندما أقول أن كريستيان فان نسبن هو أبي الروحي. لكنني لم أستطع إلا أن أهدي إليه هذه الكلمات المتواضعة، وقد احتفل منذ أيام بخمسين عاماً على دخوله الرهبنة، وكان احتفالنا به تجمعاً من الصغار والكبار، الراهبات والمحجبات، الفقراء والمفكرين، خليطاً من المُختلفين الذين لا يجمعهم سوى يومٌ مثل هذا، ورجلٌ مثل هذا.

كل عام وأنت على طريق الرجاء يا أبي الروحي.

Sunday, October 02, 2005

مصطلحات عربية

أرسل لي أحد الأصدقاء هذه الترجمة للمصطلحات... حقاً، شر البلية ما يضحك:

التنوير

عملية تتم في الشوارع عندما يسكنها وزير

العولمة

عملية تحول اجتماعي وثقافي وفني تمارسها فيفي عبده

الشفافية

سمة ضرورية للملابس المستخدمة في العولمة

الجات

مصيبة وجات على دماغنا

النظام الملكي

عند وفاة الملك ينتقل الحكم لابنه ليصبح هو الملك الجديد

النظام الجمهوري

عند وفاة الرئيس ينتقل الحكم لابنه ليصبح هو الرئيس الجديد

المبايعة

ورقة بتكتبها لما تبيع عربية قديمة

الدستور

كلمة تقال للحماية من الآسياد لما الواحد يدخل بيت مسكون

الديموقراطية

نوع من الفنون الزخرفية يستخدم لتزويق صورة الحكومة

القانون

آلة تصدر أصوات جميلة لما تلعب فيها بصوابعك

الحرية للجميع

للشعب أن يقول ما يشاء ، وللحكومة أن تفعل ما تشاء

حرية النشر

تمارسها النساء على السطوح في المناطق الشعبية

رأي المرأة

ستات مصر قالوا كلمتهم ؛ النخلتين سمنتهم

الدبلوماسية

أحسن هدية تصالح بيها مراتك بس بشرط الماس يكون حر

الصراع الطبقي

خناقة كل بيت على مين اللي حيغسل الأطباق النهاردة

الحرب الأهلية

حرب البنت مع أهلها عشان تتجوز الواد اللي هي عايزاه

حرب الشوارع

قيادة سيارة في شوارع القاهرة

حرب التحرير

معركة شهيرة يخوضها كل من يريد استخراج جواز سفر من مجمع التحرير

العمل الثورى

مذكر العمل البقرى

الوحدة العربية

أن تعاني كل دولة عربية الشعور بالوحدة

Saturday, October 01, 2005

هل ... هلاله

هل هذه الغيبة الطويلة لها أي مبرر؟؟
هل هو الوقت؟
هل هي كآبة أيلول؟
هل هي محاولة "هندرة" شركة و"هندرة" وطن
هل هو الاهتمام بالمعجزة الصغيرة النائمة بجانبي؟
هل أعيد تقييم دوري؟؟ وأفكر من جديد في معنى أن يكون ليَّ صوت
هل أخذتني الحالة الفنية، مثل كل عام، بعيداً عن كل الأولويات الأخرى؟
هل هي – ببساطة – احتياجاتي اليومية، وعلاجاتي اليومية، ومجاملاتي اليومية
هل هناك إجابة تشبع هذا الجوع؟؟؟
هل ينتظرها أحد؟؟؟
هل تصنع فرقاً؟؟؟
هل تُريح؟؟
هل...

Saturday, September 17, 2005

البحث عن مدينة أسكنها


أتحرر من الزمان...
فأرى كل الأماكن عبر التاريخ تَتَّحِد في خريطة واحدة...

ألمح بلا صعوبة كل المدن التي أعشقها...
كل المدن التي سكنتها وسكنتني

أرى طيبة الجميلة، تستقيظ على ضفاف النيل الشاب
هنا وُلدت على الضفة الشرقية،
وهناك رقد جسدي وسط أجدادي الراقدين في الغرب
وبين الضفتين سرت فخوراً بهذه الحضارة التي كانت فجراً للضمير

أتمنى لو أسكن في أخيتاتون، بين صانعي الخزف والزجاج، بشكل قرص الشمس
وأن أصلي في المعابد التي سمعت لأول مرة كلمة "الإله الواحد"
قبل أن تصير أطلالاً تتحدث عن غباء الزمن

أجلس في وسط الأكروبوليس،
أنظر من فوق الجبل إلى المدينة العظيمة أثينا...
ثم أهبط إلى ساحة الفلاسفة... لأتحاور هناك مع الأصدقاء القدامى

أصلي في الناصرة والجليل،
وأقبل التراب الذي سار عليه ابن الإنسان
في الطريق إلى الجلجثة

ثم أبحر عائداً إلى الأسكندرية،
حيث أقضي يومي ما بين المكتبة والمدرسة
وأرى غروب الشمس كل يوم من فوق الصخور

وأسير في الصحراء، لأصل إلى المدينة الفرحة
بأغاني "طلع البدر علينا"، وصوت "بلال" يملأ الأفق
وهناك أفرح مع الفرحين لمقدم نبي جديد

وأمر في الأسواق الحافلة بالعطور، في غرناطة الأندلس...
وأسمع الناس تتحدث باللسان العربي
وأضحك في سعادة لا توصف،
وأنا جالس في حضرة ابن الحداد وابن رشد

وأعبر الجبال والغابات،
وأدخل عاصمة النور... باريس
حيث يُتزوج الجمال بالفن، ليولد الحب طفلاً كل يوم
وأفرد ذراعي وأرقص كأن الشوارع كلها ملكي...
وأعرف هناك فتاة جميلة، إسمها الحرية

وأنجرح...ويُسفك دمي
وتروي دموعي كل الأراضي القاحلة
ولا أستطيع أن أدخل القدس...
لأنهم أحاطوها بالأسلاك الشائكة... والنظرات الشائكة
والأحلام الشائكة

وأهرب إلى المدينة التي لم توجد بعد
مدينة أورفليس...
حيث يسكن السلام في خطبة الوداع الشهيرة

وأطير عائداً إلى القاهرة...
مدينتي الغجرية، الضاحكة، الخانقة...
أم كل المدن، فمنها أنطلق، وإليها أعود
وأحدثها عن رحلتي...
المدن التي أعشقها، وتلك التي أكرهها
برلين هتلر ... لندن بلير ... ونيويورك بوش
وأشكو لها عجز كل المدن أن تكفيني
فتقرأ علي من ذاكرتها، أبيات غنَّاها جبران على مسامعنا:

يا بلاداً حُجبت منذ الأزل
كيف نرجوك ومن أين السبيل؟
أي قفرٍ دونها، أي جبلٍ سورها العالي...
ومن منا الدليل؟
أسرابٌ أنتِ أم أنتِ الأمل في نفوسٍ تتمنى المستحيل؟
أمنامٌ يتهادى في القلوب ... فإذا ما استيقظت ولى المنام؟
أم غيوم طفن في شمس الغروب قبل أن يغرقن في بحر الظلام؟

***
يا بلاد الفكر يا مهد الأولى ... عبدوا الحق وصلوا للجمال
ما طلبناك بركبِ أو على متن سفينة، أو بخيلِ ورحال
لستِ في الشرق ولا الغرب، ولا في جنوب الأرض، أو نحو الشمال
لستِ في الجو ولا تحت البحار ... لستِ في السهل ولا الوعر الحرج
أنتِ في الأرواح أنوار ونار ... أنتِ في صدري فؤاد يختلج